بن غفير والذكاء الاصطناعي.. تجويع الأسرى يتحول لدعاية

2026.08.31 - 14:10
Facebook Share
طباعة

 اختار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير هذه المرة الذكاء الاصطناعي لتقديم رسالته السياسية، فنشر مقطعاً مصوراً مولداً بهذه التقنية يظهر فيه محتفياً بسياسة تقليص الطعام وظروف الاحتجاز المفروضة على الأسرى الفلسطينيين، في خطوة أعادت ملف السجون إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي داخل إسرائيل وخارجها.

ويظهر بن غفير في المقطع إلى جانب عبارة «وعدنا ونفذنا»، في صياغة دعائية تقدم إجراءات التضييق على الأسرى باعتبارها نتيجة لسياسة أعلنها الوزير ونفذها.

وحصد الفيديو أكثر من مليوني مشاهدة، وفق المعطيات المتداولة، وسط تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ركزت الانتقادات على استخدام تقنية قادرة على صناعة مشاهد غير حقيقية لتقديم سياسة تتعلق بأوضاع احتجاز حقيقية بوصفها إنجازاً سياسياً.

ولا تكمن أهمية المقطع في محتواه التقني فقط، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، إذ يأتي ضمن سلسلة من المواقف التي يستخدم فيها بن غفير ملف الأسرى للتأكيد على نهجه المتشدد، في وقت يتجاوز فيه عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية 9500، بينهم نحو 90 أسيرة، وفق الأرقام الواردة في المعطيات الفلسطينية.

اقرأ أيضا: إنذار أمني يعيد عائلة نتنياهو إلى الواجهة

سياسة تضييق مستمرة

ويأتي نشر الفيديو في ظل سياسة أعلن بن غفير اعتمادها منذ توليه حقيبة الأمن القومي، تقوم على تشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين وتقليص بعض حقوقهم واحتياجاتهم الأساسية داخل السجون.

وقد قدم الوزير هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من نهج أمني أكثر تشدداً، فيما يرى منتقدوه أنها تنقل قضية الأسرى من إطارها الأمني والقانوني إلى مساحة الاستخدام السياسي المباشر.

ولم يكن الفيديو الأخير منفصلاً عن هذا المسار، إذ نشر بن غفير قبل ذلك مقطعاً يوثق دخوله إلى زنازين الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون قرب حيفا، وظهر خلاله وهو يخاطبهن بعبارات أثارت انتقادات حادة.

وأعاد نشر هذه المشاهد طرح سؤال أوسع بشأن حدود استخدام السجناء في الحملات السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص موجودين خلف القضبان ولا يملكون القدرة نفسها على الرد أو تقديم روايتهم أمام الجمهور.

 

صورة دعائية أمام الأسيرات

وقال محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين خالد محاجنة إن ظهور بن غفير داخل قسم الأسيرات كان محاولة لصناعة صورة سياسية، لكنه أظهر في المقابل جانباً من الظروف التي تعيشها المعتقلات الفلسطينيات.

وبحسب محاجنة، فإن المشهد كشف أسيرات يتحدثن عن تفاصيل يومية تتعلق بالطعام والحياة داخل السجن والقيود المفروضة عليهن، في مقابل وزير محاط بحماية أمنية داخل مكان يفترض أن يكون خاضعاً للرقابة والقانون.

وتعكس هذه المفارقة طبيعة المعركة الإعلامية حول السجون، إذ لا يعود الصراع مقتصراً على الإجراءات المتخذة داخلها، بل يمتد إلى كيفية تقديمها للجمهور، ومن يمتلك القدرة على إنتاج الصورة وتحديد الرواية التي تصل إلى الخارج.

 

الأسرى في الحسابات السياسية

ويظهر من تكرار حضور الأسرى في خطاب بن غفير أن الملف بات جزءاً من هويته السياسية، ولا سيما في مخاطبة الجمهور الإسرائيلي الأكثر تشدداً.

فكلما ارتفع مستوى الإجراءات بحق الأسرى، يستطيع الوزير تقديم نفسه باعتباره منفذاً لتعهدات انتخابية وأمنية، فيما يتحول السجن من مساحة يفترض أن تخضع لقواعد قانونية وإنسانية إلى منصة لإثبات الموقف السياسي.

ويفسر ذلك جزئياً انتقال الرسائل المتعلقة بالأسرى من البيانات الرسمية إلى مقاطع مصورة ومحتوى دعائي سريع الانتشار، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج مشاهد تستهدف الجمهور مباشرة.

ويرى منتقدون أن هذا النمط من التواصل يختزل قضية معقدة تتعلق بحقوق المحتجزين وظروف احتجازهم في صورة سياسية مبسطة، تجعل التشدد معياراً للنجاح بدلاً من الالتزام بالقواعد القانونية.

 

الذكاء الاصطناعي يوسع مساحة الدعاية

ويضيف استخدام الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى القضية، لأن التقنية تسمح بإنتاج مشاهد تبدو واقعية من دون أن تكون تسجيلاً لحدث وقع فعلياً.

وفي حالة فيديو بن غفير، لا يتعلق الجدل فقط بكون المشاهد مصطنعة، بل باستخدامها لتقديم سياسة حقيقية تجاه الأسرى في قالب بصري مصمم للتأثير والانتشار.

وهنا تبرز مشكلة أوسع تتجاوز المقطع نفسه: عندما يصبح المحتوى الاصطناعي جزءاً من الخطاب السياسي، يصبح من الضروري التمييز بوضوح بين ما حدث فعلاً وما أُعيد إنتاجه رقمياً لخدمة رسالة سياسية.

وفي الملفات المرتبطة بالحرب والاعتقال والانتهاكات، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة، لأن الصور والمقاطع يمكن أن تؤثر في الرأي العام قبل أن تتاح فرصة التحقق من سياقها أو مضمونها.

 

انتقادات تتجاوز حدود إسرائيل

وتوسعت الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي لتشمل استخدام سياسات السجون في الدعاية السياسية، إذ رأى ناشطون أن التباهي بتقليص الطعام أو تشديد ظروف الاحتجاز لا يعكس فقط توجهاً أمنياً، بل محاولة لتحويل معاناة الأسرى إلى رسالة موجهة إلى الجمهور السياسي الإسرائيلي.

كما أثارت منشورات أخرى تساؤلات بشأن التناقض بين نفي وجود سياسة تجويع أو تضييق متعمد، وبين نشر مسؤول إسرائيلي بارز محتوى يقدم هذه الإجراءات بصورة احتفالية.

وطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بزيادة الرقابة على أوضاع الأسرى الفلسطينيين والتحقيق في ظروف احتجازهم، معتبرين أن التعامل مع حقوق المحتجزين يجب أن يبقى خاضعاً للمعايير القانونية، بعيداً عن الحسابات الانتخابية أو الرسائل الدعائية.

 

حين تصبح المعاناة مادة انتخابية

ويكشف الجدل حول مقاطع بن غفير عن تحول أوسع في طريقة إدارة ملف الأسرى داخل المشهد السياسي الإسرائيلي. فبدلاً من بقاء السجون ملفاً أمنياً وقانونياً، أصبح التعامل مع الأسرى جزءاً من المنافسة على صورة السياسي الأكثر تشدداً.

أما إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة، فيمنح الدعاية قدرة أكبر على إعادة تشكيل المشهد وتكثيف رسالته، لكنه في الوقت نفسه يرفع الحاجة إلى التدقيق في كل مادة بصرية متداولة.

وفي المحصلة، فإن المقطع الذي حمل عبارة «وعدنا ونفذنا» لا يقدم مجرد مادة دعائية عابرة، بل يضع قضية الأسرى أمام معادلة سياسية أكثر تعقيداً: إجراءات احتجاز متشددة من جهة، ومحاولة تحويل نتائجها إلى محتوى قابل للاستهلاك الجماهيري من جهة أخرى.

ويبقى السؤال الأوسع حول ما إذا كان هذا الاستخدام السياسي لمعاناة الأسرى سيبقى أداة انتخابية محدودة، أم يتحول إلى نهج دائم في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9