جديدة عرطوز تتجاوز التوتر باتفاق على القانون والمحاسبة

سامر مارديني

2026.08.30 - 19:14
Facebook Share
طباعة

 أنهت مصالحة محلية في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق ثلاثة أيام من التوتر، بعدما شهدت البلدة منذ الخميس الماضي حالة من الاحتقان بدأت بخلاف بين أفراد من سكانها وعائلة من محافظة دير الزور تقيم فيها، قبل أن تتوسع تداعياتها بفعل تكرار المواجهات وانتشار روايات متضاربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وجاء الإعلان عن المصالحة خلال اجتماع عقد في مسجد الرحمن، بحضور أعيان من أهالي البلدة ووجهاء عشائر من أبناء دير الزور المقيمين فيها، إلى جانب مسؤولين محليين وأمنيين، في مسعى لإنهاء التوتر ومنع انتقال الخلاف من مستواه المحلي إلى حالة أوسع من الاحتقان المجتمعي.

وقال مدير منطقة قطنا في ريف دمشق ساري بدر الدين إن الاتفاق جرى بجهود الأطراف المحلية والوجهاء، مشدداً على ضرورة تجاوز الحادثة والاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.

لكن الاتفاق لم يكتفِ بإعلان التهدئة، إذ نص على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة ملابسات ما جرى، والنظر في الأضرار التي لحقت بالأطراف المختلفة، مع التأكيد على محاسبة المتورطين وفق القانون.

اقرأ أيضا: التعليم في السويداء رهينة خلافات الطريق والسلطة

من خلاف محدود إلى توتر واسع

وبحسب المعطيات المحلية، بدأت الحادثة بخلاف بين أشخاص من أبناء جديدة عرطوز وأفراد من عائلة تنحدر من دير الزور وتقيم في البلدة، قبل أن يتطور الشجار ويتجدد في اليوم التالي، ما استدعى تدخلاً أمنياً وتعزيز الانتشار داخل البلدة.

وتكمن حساسية الحادثة في أن الخلاف لم يبقَ محصوراً بين أطرافه، إذ سرعان ما أخذت تداعياته بعداً مجتمعياً مع تداول روايات ومعلومات غير مؤكدة على منصات التواصل، وهو ما ساهم في رفع مستوى التوتر وإثارة المخاوف من اتساعه.

ويرى مشاركون في المصالحة أن سرعة انتشار الشائعات والتعليقات التحريضية ساعدت في تحويل حادثة محدودة إلى قضية أكبر من حجمها الأصلي، الأمر الذي جعل احتواء الخطاب المتداول جزءاً أساسياً من جهود التهدئة.

اقرأ أيضا: توغل إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة وسط تصعيد متواصل

الأمن يتدخل لمنع التصعيد

وكانت قوى الأمن الداخلي قد عززت وجودها في جديدة عرطوز في 27 أغسطس/آب، عقب تجدد الخلاف، ونشرت حواجز ودوريات في عدد من أحياء البلدة لضبط الوضع ومنع تجدد المواجهات.

وأكد مدير العلاقات العامة في الشرطة العسكرية وائل أحمد أن قوات الأمن العام في ريف دمشق تدخلت منذ بداية الأحداث بهدف الحفاظ على الأمن والممتلكات، مشيراً إلى أن الانتشار الأمني ساهم في احتواء الوضع.

ويعكس التدخل الأمني اعتماد السلطات على مسارين متوازيين في التعامل مع الحوادث المحلية؛ الأول يتمثل في الانتشار لمنع توسع المواجهات، والثاني في إسناد مهمة التسوية إلى الوجهاء والفعاليات الاجتماعية، خصوصاً عندما تكون أطراف الخلاف مرتبطة بتركيبة اجتماعية وعشائرية متعددة.

 

المحاسبة بدل الاكتفاء بالتهدئة

ويكتسب الاتفاق أهمية من خلال إدراج مسألة المحاسبة ضمن بنوده، بدلاً من الاكتفاء بتسوية اجتماعية تنهي التوتر ميدانياً.

وتتولى اللجنة المشتركة متابعة تفاصيل الحادثة وتحديد الأضرار والوقائع المرتبطة بها، فيما يفترض أن تُحال مسؤولية المحاسبة إلى القانون والمؤسسات المختصة.

ويعني ذلك، من الناحية العملية، محاولة الفصل بين مسار المصالحة المجتمعية ومسار المسؤولية القانونية، بحيث لا تتحول التهدئة إلى تسوية تلغي حقوق المتضررين أو تمنع مساءلة من يثبت تورطه في أعمال عنف.

وهذا الفصل قد يكون مهماً في منع تكرار مثل هذه الحوادث، خصوصاً أن الاكتفاء بوقف الاشتباكات من دون معالجة أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها يمكن أن يترك المجال أمام تجدد الخلاف في وقت لاحق.

 

التجييش الإلكتروني يفرض تحدياً جديداً

وأشار رئيس لجنة المصالحة في جديدة عرطوز عياض عبيد إلى أن الخلاف بدأ بحادثة محدودة، قبل أن تؤدي منصات التواصل إلى تضخيمها وتحويلها إلى أزمة أكبر.

كما اعتبر أحد وجهاء دير الزور المقيمين في البلدة أن الإشاعات والتجييش الإلكتروني ساهما في تصعيد الموقف، قبل أن يتدخل الأهالي والوجهاء والقوى الأمنية لاحتواء الأزمة.

وتكشف هذه الرواية عن عامل بات حاضراً في العديد من التوترات المحلية، وهو سرعة انتقال الحوادث المحدودة من نطاقها الجغرافي إلى فضاء عام يصعب ضبطه. فالمعلومات غير الموثقة يمكن أن تسبق التحقيقات الرسمية، بينما تؤدي إعادة نشرها إلى ترسيخ روايات قد تزيد الاحتقان بين المكونات المحلية.

وفي حالة جديدة عرطوز، يبدو أن تدخل الوجهاء والقوى الأمنية قبل تحول الخلاف إلى مواجهة أوسع ساعد في إعادة الوضع إلى مساره الطبيعي.

 

اختبار لسلطة القانون

ومع عودة الهدوء إلى البلدة، يبقى الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة مرتبطاً بتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه، ولا سيما عمل اللجنة المشتركة وتحديد المسؤوليات وفق القانون.

فالتهدئة الحالية تنهي الجانب الميداني من الأزمة، لكنها لا تغلق بالضرورة ملفها الاجتماعي والقانوني. ويعتمد استقرار الوضع على قدرة المؤسسات الرسمية والفعاليات المحلية على منع تجدد التوتر، وضمان عدم استخدام الحادثة لإعادة إنتاج الانقسام بين سكان البلدة والعائلات النازحة أو المقيمة فيها.

وبذلك، تبدو مصالحة جديدة عرطوز خطوة لاحتواء أزمة بدأت بخلاف محدود، لكنها تحولت خلال أيام إلى اختبار لقدرة المجتمع المحلي والجهات الأمنية على منع التصعيد، فيما ستكون المحاسبة القانونية ووقف التجييش عبر وسائل التواصل عاملين أساسيين في تثبيت الهدوء ومنع تكرار المشهد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6