في وقت تواجه فيه إيران تداعيات الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية المتواصلة، عاد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى التأكيد على أولوية التماسك الداخلي، داعياً المسؤولين والمواطنين إلى تجنب الخلافات وتعزيز الانسجام في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاءت الدعوة في رسالة مكتوبة نشرها مكتب المرشد بمناسبة «أسبوع الوحدة» المتزامن مع ذكرى المولد النبوي، في إشارة إلى أن القيادة الإيرانية تنظر إلى وحدة الداخل باعتبارها جزءاً من إدارة المرحلة الحالية، وليس مجرد خطاب ديني مرتبط بالمناسبة.
وأكد خامنئي ضرورة ألا تتحول الخلافات الداخلية إلى عامل يضعف المجتمع، مشدداً على أن أي سلوك من شأنه الإضرار بالانسجام الاجتماعي ينبغي تجنبه. وتأتي هذه الرسائل في ظل ظروف استثنائية تمر بها إيران، بعد أشهر من العمليات العسكرية والضغوط الاقتصادية التي فرضتها الحرب على مؤسسات الدولة والمجتمع.
ويحمل التركيز المتكرر على التماسك الداخلي بعداً سياسياً واضحاً، إذ إن استمرار الضغوط الخارجية يرفع في المقابل أهمية منع تحول الأزمات الاقتصادية والأمنية إلى خلافات داخلية يمكن أن تستغلها الأطراف المناوئة لطهران.
اقرأ أيضا: إيران تشدد قبضتها على هرمز والجيش الأميركي يترنح
الاقتصاد يدخل معركة الصمود
ولم تقتصر رسالة المرشد على الجانب السياسي والاجتماعي، بل تناولت أيضاً المسار الاقتصادي، مع دعوة إلى تقليص الاعتماد على الدولار وتعزيز الإنتاج المحلي.
وتسعى طهران من خلال هذا الطرح إلى تقليل أثر العقوبات والقيود المفروضة على تجارتها، خصوصاً في ظل اضطراب حركة النقل البحري وتراجع النشاط المرتبط بمضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات الطاقة وحركة التجارة في المنطقة.
ويمثل الاقتصاد أحد أبرز الاختبارات التي تواجه القيادة الإيرانية في حال طال أمد الضغوط. فالحفاظ على الإنتاج وتوفير السلع والعملات الأجنبية واحتواء تداعيات القيود التجارية كلها عوامل ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على المحافظة على استقرارها الداخلي.
ومن هذه الزاوية، تبدو الدعوة إلى الوحدة الاقتصادية والاجتماعية امتداداً للخطاب السياسي، إذ تحاول القيادة ربط قدرة إيران على مواجهة الضغوط الخارجية بقدرتها على تقليل نقاط الضعف داخل البلاد.
اقرأ أيضاً: ذخائر واشنطن تحت الضغط.. إيران تستنزف والصين تترقب
رسالة إلى الخليج قبل أن تكون للعالم
وفي الجزء الآخر من الرسالة، وسّع خامنئي دائرة خطابه إلى الدول الإسلامية، ولا سيما دول الخليج، داعياً إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية.
وربط المرشد الإيراني بين الانقسام داخل العالم الإسلامي وما وصفه بخدمة مصالح خصوم المسلمين، مستشهداً بالقضية الفلسطينية للدلالة على نتائج غياب موقف إسلامي موحد.
وتعكس هذه الرسالة محاولة إيرانية لإعادة تقديم الصراع باعتباره قضية تتجاوز حدود المواجهة الثنائية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ووضعه ضمن إطار إقليمي أوسع. كما تحمل الدعوة الموجهة إلى دول الخليج أهمية خاصة، في ظل العلاقة المعقدة بين طهران وعدد من العواصم الخليجية، وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية بينها.
لكن ترجمة هذه الدعوات إلى تعاون فعلي تبقى أكثر تعقيداً، إذ إن دول المنطقة لا تنظر إلى التهديدات الأمنية بالطريقة نفسها، كما أن ارتباط أمن الملاحة والطاقة بالاستقرار الإقليمي يجعل أي تصعيد جديد عاملاً مؤثراً في حساباتها.
اقرأ أيضاً: عقوبات أميركية خانقة.. إيران تراهن على الدبلوماسية والردع
قيادة جديدة وخطاب محسوب
وتأتي الرسالة في ظل مرحلة انتقالية داخل أعلى هرم السلطة الإيرانية، بعد تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في الضربة الأميركية الإسرائيلية الأولى على طهران في 28 فبراير/شباط الماضي، وفق الرواية الرسمية الإيرانية.
ومنذ توليه المنصب، بقي ظهور مجتبى خامنئي العلني محدوداً، واقتصر حضوره الرسمي إلى حد كبير على البيانات والرسائل المكتوبة، وهو ما يمنح مضمون هذه الرسائل أهمية إضافية في قراءة توجهات القيادة الجديدة.
ويبدو أن التركيز على الوحدة يمثل أحد المحاور الرئيسية في خطاب المرحلة الجديدة، سواء على مستوى الداخل الإيراني أو في العلاقة مع المحيط الإقليمي. فالقيادة تحتاج إلى الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة والمجتمع، بالتزامن مع محاولة منع الخصوم من تحويل الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى أزمة سياسية داخلية.