تحول لافت
يفتح تعيين القائد الكردي مظلوم عبدي مستشاراً لدى الرئاسة السورية الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في العلاقة بين دمشق وأكراد شمال شرقي البلاد، وسط ملفات أمنية واقتصادية وسياسية شديدة التعقيد تنتظر التسوية.
ويأتي القرار بعد تفاهمات بين دمشق والقوى الكردية، وفي وقت تتجه فيه الأطراف نحو البحث عن صيغة لدمج المؤسسات والقوى العسكرية والإدارية في المنطقة ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على خصوصيات المكونات وحقوقها.
اقرأ أيضاً: الدفع الإلكتروني في سوريا.. هل يبدأ كبح التضخم؟
من الميدان إلى الرئاسة
وُلد مظلوم عبدي عام 1967 في كوباني، ودرس الهندسة في جامعة حلب قبل انخراطه في حزب العمال الكردستاني.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2015، أُعلن تأسيس قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في الحسكة، ليتولى عبدي قيادتها العامة منذ تأسيسها، في إطار المعارك ضد تنظيم «داعش».
وفي 27 أغسطس/آب، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 164 لعام 2026، الذي عيّن بموجبه عبدي مستشاراً لدى الرئاسة، بعد يومين من إعلان دمشق حل «قسد» و«الإدارة الذاتية».
دور لم يتضح بالكامل
لا تزال طبيعة المهمة الموكلة إلى عبدي غير محددة بصورة نهائية، وسط تساؤلات حول ما إذا كان دوره سيتركز على شؤون شمال شرقي سوريا، أو الملف الكردي تحديداً، أو يمتد إلى قضايا أوسع تتصل بالمكونات السورية.
ويرى مراقبون أن التعيين يعكس انتقال العلاقة بين دمشق والقوى الكردية من مرحلة المواجهة السياسية والعسكرية إلى مرحلة التفاوض المباشر ومحاولة بناء ترتيبات مشتركة.
ضمانات كردية
تشير تقديرات إلى أن قبول عبدي بالمنصب جاء في إطار تفاهمات تتضمن ضمانات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل المنطقة.
ويبرز في هذا السياق ملف دمج وحدات «قسد» ضمن الجيش السوري، مع طرح إبقاء تشكيلات عسكرية ضمن هياكل خاصة، بما يحافظ على قدر من آليات القيادة المحلية، ومن بينها وحدات حماية المرأة التي يقدر عدد مقاتلاتها بأكثر من 5 آلاف.
كما يبرز ملف اللامركزية الإدارية والمالية، وسط مطالب كردية بمنح المناطق المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الخدمات والموارد، إلى جانب ضمان الحقوق الثقافية والسياسية في الدستور السوري الجديد.
ملفات على طاولة دمشق
يحمل المسار التفاوضي مجموعة واسعة من الملفات، بينها إدارة مطار القامشلي، وحقول النفط، والمعابر الحدودية، وحماية الحدود، ومواجهة خلايا تنظيم «داعش».
كما تشمل القضايا المطروحة الاعتراف بشهادات جامعة روجآفا، ومستقبل التعليم باللغة الكردية في المدارس، وهي ملفات يمكن أن تمنح عبدي دوراً مؤثراً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
أولوية السيادة
في المقابل، تنظر دمشق إلى الاتفاق من زاوية مختلفة تقوم على استعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، وتأمين الحدود الشرقية والمعابر وموارد النفط والقمح.
وتدفع الحكومة باتجاه نموذج التكامل داخل الدولة، مع رفض صيغ الحكم الذاتي المستقل أو الفيدرالية المالية التي قد تؤثر في طبيعة الدولة المركزية.
وبذلك، يبقى ملف دمج القوات والهياكل الإدارية من أبرز نقاط الخلاف التي تحتاج إلى تسوية دقيقة بين الطرفين.
حسابات إقليمية
لا تقتصر تحديات الاتفاق على دمشق والقوى الكردية، إذ تراقب الولايات المتحدة طبيعة الشراكة بين الجانبين وتأثيرها في جهود مكافحة الإرهاب.
كما تنظر تركيا بحذر إلى أي ترتيبات تمنح عبدي شرعية سياسية داخل مؤسسات الدولة السورية، في وقت تعتبر فيه نفسها طرفاً ضامناً في التفاهمات المتعلقة بالمنطقة.
ثقل اقتصادي وأمني
تكتسب المفاوضات أهمية إضافية بسبب حجم الموارد والقوى التي يتعين دمجها أو تنظيمها ضمن مؤسسات الدولة.
وتتحدث تقديرات سابقة عن نحو 60 إلى 70 ألف مقاتل ضمن «قسد»، إلى جانب قرابة 30 ألف عنصر من قوى الأمن الداخلي «الأسايش»، ما يجعل عملية تحديد الرتب والمهام والتمويل من أكثر الملفات تعقيداً.
كما لا يزال تنظيم «داعش» يمثل تحدياً أمنياً في أجزاء من الحسكة ودير الزور والرقة، رغم العمليات التي استهدفت بنيته خلال السنوات الماضية.
النفط والقمح والمياه
تمثل موارد شمال شرقي سوريا محوراً أساسياً في أي اتفاق نهائي، إذ تضم المنطقة نسبة كبيرة من حقول النفط والغاز، بينها العمر والسويدية ورميلان.
وتقدر بعض التقديرات إنتاج المنطقة الحالي بما يتراوح بين 80 و100 ألف برميل يومياً، فيما تسعى دمشق إلى إعادة دمج هذه الموارد في الاقتصاد الوطني وتوجيهها إلى قطاعات الطاقة والتكرير.
وتضم مناطق شرق الفرات أيضاً نسبة كبيرة من إنتاج القمح السوري، مع مساحات زراعية تتجاوز 1.5 مليون هكتار، إضافة إلى منشآت وسدود مائية مهمة، بينها سدود الفرات والطبقة وتشرين.
أزمة الخدمات
تزيد أوضاع البنية التحتية من تعقيد المشهد، بعد سنوات من الحرب التي ألحقت أضراراً كبيرة بشبكات الكهرباء ومحطات المياه والمنشآت النفطية والتكريرية.
وتعاني مدن رئيسية، بينها القامشلي والحسكة وكوباني، من انقطاعات طويلة للكهرباء وشح في مياه الشرب وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل إعادة تأهيل الخدمات جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية وإدارية.
الأكراد
يمثل الملف الكردي أحد أكثر القضايا حساسية في تاريخ سوريا الحديث. ويعد الأكراد ثاني أكبر قومية في البلاد، ويتركزون بصورة أساسية في الجزيرة السورية وكوباني وعفرين، إلى جانب وجودهم في دمشق وحلب.