تحالف يتجاوز الحدود
يضع تعمّق التعاون العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على زيادة اعتماد الحلفاء على قدراتهم الدفاعية أمام اختبار متزايد، بعدما بدأت بيونغ يانغ تكتسب خبرات ميدانية من الحرب الروسية الأوكرانية، بالتزامن مع تقليص واشنطن مناوراتها العسكرية السنوية مع كوريا الجنوبية.
ويزيد هذا التقارب من صعوبة الفصل بين التحديات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاءها في أوروبا وآسيا، في ظل احتمال تزامن الأزمات في أكثر من ساحة.
اقرأ أيضاً: كييف تحت النار.. زيلينسكي يكشف حصيلة أسبوع من الهجمات
تقليص المناورات
جاء قرار ترامب تقليص مناورات «أولتشي فريدوم شيلد» مع كوريا الجنوبية في وقت تعمل فيه واشنطن وسيؤول على تطوير تدريباتهما لمواكبة طبيعة الحروب الحديثة، بما يشمل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وتعطيل أنظمة تحديد المواقع والهجمات السيبرانية.
وكانت المناورات مصممة أيضاً للاستعداد لتهديد كوريا الشمالية، التي تحصل قواتها على خبرة قتالية مباشرة من مشاركتها إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية.
وبموجب القرار، جرى تقليص مدة المناورات من 11 يوماً إلى خمسة أيام، مع خفض حجم التدريب الميداني، في خطوة ربطها ترامب بالرغبة في خفض التوتر مع بيونغ يانغ، فضلاً عن استيائه من سيول بسبب رفضها دعم عمليات أمريكية مرتبطة بمضيق هرمز.
اقرأ أيضاً: نفط فنزويلا لـ25 عاماً.. اتفاق يعيد رسم العلاقة مع واشنطن
استراتيجية تقاسم الأعباء
تسعى إدارة ترامب إلى إعادة توزيع أعباء الدفاع بين الولايات المتحدة وحلفائها، بحيث تتحمل الدول الشريكة مسؤولية أكبر عن أمن مناطقها، بما يسمح لواشنطن بإعادة توجيه مواردها نحو أولويات أخرى.
وتنص استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 على تعزيز تقاسم الأعباء، بينما تحدد استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 دوراً أكبر للدول الأوروبية في الدفاع التقليدي عن القارة ودعم أوكرانيا، مقابل تولي كوريا الجنوبية مسؤولية أساسية عن ردع كوريا الشمالية مع استمرار دعم أمريكي «مهم لكن أكثر محدودية».
غير أن هذه المقاربة تواجه ما تصفه استراتيجية الدفاع الأمريكية بـ«مشكلة التزامن»، أي احتمال استغلال خصوم واشنطن أزمات متزامنة في مناطق مختلفة أو التحرك بصورة منسقة.
اقرأ أيضاً: من برلين.. ضغط شعبي لوقف السلاح عن إسرائيل
خبرة من أوكرانيا
تتعمق المخاوف مع اتساع التعاون الروسي الكوري الشمالي. فقد زودت بيونغ يانغ موسكو بكميات كبيرة من ذخائر المدفعية والصواريخ الباليستية، كما أرسلت نحو 15 ألف جندي إلى منطقة كورسك الروسية.
وتحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن احتمال إرسال ما بين 30 و50 ألف جندي كوري شمالي إضافي، وهو ما رفضته كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، واعتبرته ادعاء «لا أساس له».
وتوفر المشاركة في الحرب الأوكرانية للقوات الكورية الشمالية خبرة مباشرة في تشغيل الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة والتكيف السريع مع ظروف القتال، فضلاً عن اختبار الصواريخ في مواجهة أنظمة دفاع جوي غربية.
كما أظهرت تقارير أن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية المستخدمة في الحرب باتت أكثر دقة مقارنة بإصدارات سابقة.
شراكة تتجاوز السلاح
لا يقتصر الدعم الروسي لبيونغ يانغ على نقل الخبرات القتالية، إذ توفر موسكو لكوريا الشمالية شراكة مع قوة كبرى مستعدة لمواصلة التعاون العسكري رغم العقوبات والضغوط الدولية.
ويزيد ذلك من صعوبة الجهود الرامية إلى عزل كوريا الشمالية وردعها، خصوصاً مع امتلاكها منفذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً أكثر قوة عبر علاقتها مع روسيا.
حسابات سيؤول
تواجه كوريا الجنوبية في المقابل معادلة سياسية ودبلوماسية معقدة. وتسعى حكومة الرئيس لي جاي ميونغ إلى استئناف الحوار مع بيونغ يانغ وخفض التوتر العسكري، وصولاً إلى البحث في ترتيبات أكثر استدامة من الهدنة التي أنهت الحرب الكورية عام 1953.
لكن تقديم مساعدات عسكرية مباشرة لأوكرانيا قد يزيد تعقيد هذه الجهود، في وقت لا تظهر فيه بيونغ يانغ اهتماماً كبيراً بالمبادرات التي تطرحها سيول.
وفي مؤشر على حساسية العلاقة مع واشنطن، قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي إن سيول ومسؤولين في الحكومة الأمريكية لم يكونوا على علم مسبق بقرار ترامب خفض المناورات، بينما أبقى الرئيس الأمريكي في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام عقد لقاء جديد مع كيم جونغ أون.
ربط الساحتين
يرى خبراء أن التعامل مع التحدي المتنامي يتطلب تعزيز تبادل المعلومات والخبرات بين الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك الاستفادة من البيانات التي تجمعها أوكرانيا حول أداء الصواريخ الكورية الشمالية وسلوك قواتها في ساحات القتال.
وقد يساعد دمج هذه المعلومات في التخطيط العسكري الأمريكي والكوري الجنوبي على تحسين القدرة على التنبؤ بتطورات القدرات العسكرية لبيونغ يانغ.