من التوثيق إلى الحقيقة
دخل ملف المفقودين والمختفين قسرياً في سوريا مرحلة جديدة مع إطلاق البرنامج الوطني «أثر»، الذي يتيح للعائلات تسجيل بيانات ذويها وتقديم البلاغات إلكترونياً عبر تطبيق للهواتف المحمولة وموقع رسمي، في خطوة تستهدف إنشاء سجل وطني موحّد والمساعدة في كشف مصير آلاف الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم.
ويأتي إطلاق البرنامج بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، في وقت لا يزال فيه ملف المفقودين أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في سوريا، وسط تقديرات تشير إلى أعداد كبيرة يصعب حصرها بدقة.
اقرأ أيضاً: أزمة خبز في الحسكة.. العملة الجديدة تعطل الأفران
سجل موحّد
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين إطلاق برنامج «أثر» بهدف جمع بيانات المفقودين والمختفين قسرياً ضمن سجل وطني موحّد، بما يدعم عمليات البحث والتحقق من مصير الضحايا، ويعزز حق عائلاتهم في معرفة الحقيقة.
ويتيح البرنامج للأهالي تسجيل بيانات ذويهم وتقديم البلاغات بصورة مباشرة، مع توفير قنوات للدعم الفني لمساعدتهم في إنشاء الحسابات الرقمية واستكمال الملفات المطلوبة.
كما جرى تخصيص أرقام هاتفية للدعم موزعة على مختلف المحافظات والمناطق، إلى جانب تجهيز مراكز الهيئة لاستقبال العائلات التي تحتاج إلى مساعدة مباشرة في عمليات التسجيل وتقديم البلاغات.
اقرأ أيضاً: درعا أمام أزمة مياه متصاعدة.. الآبار تستنزف المخزون
وصول إلى العائلات
لا تقتصر آلية التسجيل على الوسائل الإلكترونية، إذ تعتزم فرق الهيئة خلال مرحلة لاحقة الوصول إلى المناطق والتجمعات المختلفة لمساعدة العائلات التي لا تستطيع التسجيل عبر الإنترنت أو الوصول إلى مراكز الهيئة.
وتقول الهيئة إن هذه الخطوة تهدف إلى توسيع نطاق المشاركة وضمان عدم استبعاد العائلات التي تواجه صعوبات تقنية أو جغرافية في الوصول إلى آليات الإبلاغ.
وأكدت التزامها بحماية البيانات الشخصية والحفاظ على خصوصيتها، إلى جانب صون كرامة الضحايا وذويهم، مشيرة إلى أن كل بلاغ يمكن أن يشكل خطوة إضافية في مسار البحث عن الحقيقة وتحديد مصير المفقودين.
اقرأ أيضاً: الأمن ينتشر في جديدة عرطوز ووفود لاحتواء التوتر
أرقام يصعب حصرها
يمتد نطاق عمل الهيئة الوطنية للمفقودين زمنياً من عام 1970 وحتى الوقت الراهن، من دون تحديد مدة زمنية لإنهاء مهمتها.
وتتراوح التقديرات الرسمية لأعداد المفقودين بين 120 ألفاً و300 ألف شخص، مع إمكانية تجاوز هذه الأرقام بسبب صعوبة إجراء حصر شامل ودقيق للحالات.
وتأسست الهيئة في 17 أيار 2025 بموجب مرسوم رئاسي، لتتولى البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وتوثيق الحالات وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم.
وتتمتع الهيئة بالاستقلال المالي والإداري والشخصية الاعتبارية، وتمارس مهامها في مختلف أنحاء سوريا، ضمن هيكلية تضم مجلساً استشارياً وآخر تنفيذياً وخمسة قطاعات عمل.
ملف يتجاوز مؤسسة واحدة
يشكل ملف المفقودين تحدياً واسعاً يتطلب تعاوناً بين المؤسسات الرسمية والجهات الدولية ومنظمات المجتمع المدني ومجموعات الضحايا والعائلات، خصوصاً أن عمليات البحث والتوثيق تمتد على مدى عقود.
وتبرز أهمية إشراك العائلات والمنظمات التي عملت على هذا الملف لسنوات، لما تمتلكه من معلومات وخبرات وقواعد بيانات يمكن أن تساعد في تعزيز الجهود الوطنية.
كما يمكن للخبرات المتخصصة في هذا المجال أن تدعم عمليات التوثيق والبحث والتحقق، بما يرفع فرص الوصول إلى نتائج أكثر دقة وشمولاً.
أساس للعدالة
لا يقتصر عمل الهيئة على جمع البيانات، إذ يرتبط ملف المفقودين بمسارات أوسع تتصل بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي وحقوق العائلات في معرفة مصير أقاربها.
وتشير تقديرات منظمات المجتمع المدني ومجموعات الضحايا إلى أن عدد المفقودين في سوريا يتجاوز 100 ألف شخص، ما يعكس حجم المهمة التي تنتظر الجهات المعنية في السنوات المقبلة.