سفن تركية بين نار الحرب وحسابات أنقرة

2026.08.29 - 21:36
Facebook Share
طباعة

 دخلت تركيا على خط التصعيد المتزايد في البحر الأسود، بعد استهداف سفينتين تركيتين خلال يومين، في تطور دفع أنقرة إلى استدعاء السفير الأوكراني لديها وتوجيه احتجاج رسمي إلى كييف، محذرة من تداعيات الهجمات على حركة الملاحة وسلامة السفن التجارية.

واستدعت وزارة الخارجية التركية، السبت، السفير الأوكراني نريمان جلال، على خلفية استهداف سفينة الحاويات التركية «ليدر بوردو مافي» قبالة سواحل توابسي في 26 آب، ثم تعرض السفينة «ليدر قوجه تبه»، التي أُرسلت للمساعدة في سحب السفينة الأولى، للاستهداف في اليوم التالي.

وأبلغت أنقرة السفير الأوكراني رفضها للهجومين، مشددة على ضرورة حماية الأرواح والممتلكات وضمان استمرار الملاحة البحرية والحفاظ على البيئة في البحر الأسود.

وبحسب وسائل إعلام تركية، جرى سحب سفينة الحاويات إلى ميناء سامسون، فيما لم تتوقف تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية عند السواحل، بعدما أصبحت السفن التجارية جزءاً من المخاطر المتزايدة التي تفرضها العمليات العسكرية.

اقرأ أيضاً:العراق أمام اختبار السلاح.. هل تقترب ساعة الحسم؟


الملاحة تدخل دائرة الاستهداف

تكتسب التطورات الأخيرة أهمية تتجاوز الأضرار التي لحقت بسفينتين، نظراً إلى اعتماد تركيا بصورة كبيرة على حركة التجارة عبر البحر الأسود، ووجود أسطول تجاري تركي يعمل تحت أعلام دول مختلفة.

وخلال الأشهر الماضية، تعرضت سفن تجارية وناقلات لهجمات بطائرات مسيّرة في البحر الأسود، وسط اتهامات لأوكرانيا بالوقوف وراء بعض هذه العمليات، في حين تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بشأن استهداف البنية المرتبطة بالتجارة والطاقة والنقل البحري.

ويعكس انتقال الهجمات إلى السفن المدنية اتساع نطاق المخاطر الناتجة عن الحرب، إذ لم يعد تأثير العمليات العسكرية محصوراً في المواقع البرية أو المنشآت العسكرية، بل بات يهدد طرق الإمداد والتجارة التي تستخدمها دول لا تشارك مباشرة في القتال.

وبالنسبة إلى أنقرة، يضيف ذلك تحدياً جديداً إلى سياستها القائمة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طرفي النزاع.

 

تركيا بين موسكو وكييف

تحاول تركيا منذ بداية الحرب الحفاظ على موقع يسمح لها بالتواصل مع روسيا وأوكرانيا في آن واحد، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها الأمنية والسياسية مع الغرب.

ولم تنضم أنقرة إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، بينما واصلت في الوقت نفسه دعمها لكييف في ملفات مختلفة، وهو ما منحها مساحة للتحرك كوسيط بين الطرفين.

وكانت تركيا قد ساهمت في التوصل إلى اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود عام 2022، في خطوة عكست قدرة أنقرة آنذاك على الجمع بين المصالح الروسية والأوكرانية والتفاهمات الدولية.

لكن استمرار الحرب وتوسع العمليات البحرية جعلا هامش الحركة التركية أكثر ضيقاً، خصوصاً مع ارتفاع عدد الحوادث التي تطال السفن التجارية.

 

دعوة تركية إلى وقف الهجمات

وتحاول أنقرة منذ أسابيع دفع موسكو وكييف إلى وقف استهداف السفن المدنية، معتبرة أن استمرار الهجمات يهدد بتحويل البحر الأسود إلى مساحة عسكرية مفتوحة.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في الثامن من آب، إن النزاع امتد إلى كامل البحر الأسود، داعياً إلى وقف مؤقت للهجمات، ومحذراً من أن استهداف السفن التجارية بات يتم بصورة لا تميز بين جنسياتها.

وتكشف هذه التصريحات عن تحول في طبيعة المخاوف التركية، فأنقرة لا تتعامل مع المسألة باعتبارها مشكلة أمنية تخص طرفي الحرب فقط، وإنما ترى أن استمرار العمليات البحرية يمكن أن يفرض كلفة مباشرة على الاقتصاد والتجارة والأمن البحري التركي.

 

حرب اقتصادية خلف خطوط القتال

ويأتي تصعيد البحر الأسود ضمن استراتيجية أوسع يتبعها طرفا الحرب لإضعاف قدرة الآخر على تمويل العمليات العسكرية.

فالهجمات الروسية والأوكرانية باتت تستهدف بصورة متزايدة منشآت الطاقة والموانئ ومسارات التصدير والسفن المرتبطة بالتجارة، في محاولة للضغط على مصادر الإيرادات وإرباك حركة الصادرات.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع استمرار المعارك على الجبهة الشرقية لأوكرانيا وتعثر المساعي السياسية لإنهاء الحرب، في وقت لا تزال فيه الملفات الإقليمية والحدودية تشكل العقبة الأبرز أمام أي تسوية شاملة.

ومن ثم، فإن أمن الملاحة في البحر الأسود أصبح مرتبطاً مباشرة بمسار الحرب نفسها، وليس مجرد ملف منفصل يمكن احتواؤه بإجراءات فنية.

 

اختبار صعب للوساطة التركية

استدعاء السفير الأوكراني يمثل رسالة دبلوماسية واضحة من أنقرة، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً في موقفها العام من الحرب أو انحيازها إلى موسكو.

فالخيار التركي يبدو أقرب إلى محاولة رسم حدود لما يمكن أن تقبله أنقرة من تداعيات الحرب، خصوصاً عندما تصل العمليات إلى سفن مرتبطة بمصالحها التجارية.

وفي المقابل، فإن استمرار استهداف السفن يضع تركيا أمام معادلة أكثر تعقيداً: الحفاظ على دور الوسيط يتطلب إبقاء قنوات التواصل مع الطرفين مفتوحة، بينما حماية مصالحها البحرية قد تدفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه أي طرف ترى أنه يهدد أمن الملاحة.

ومع استمرار الحرب، قد يتحول البحر الأسود تدريجياً من ساحة خلفية للصراع إلى إحدى جبهاته الأكثر حساسية، خصوصاً إذا اتسعت دائرة استهداف السفن التجارية.

وفي هذه الحالة، لن تكون أنقرة معنية فقط بمنع توسع الحرب، بل بحماية موقعها الاقتصادي والجغرافي، والحفاظ في الوقت نفسه على الدور الذي حاولت بناءه طوال سنوات الحرب كطرف قادر على التواصل مع موسكو وكييف معاً.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4