طقوس تلمودية عند الأقصى واختبار جديد للقدس

2026.08.29 - 19:26
Facebook Share
طباعة

 شهد محيط المسجد الأقصى في القدس المحتلة تحركاً جديداً لمستوطنين تخللته إقامة طقوس وصلوات يهودية قرب أسوار المسجد ومقبرة باب الرحمة، إلى جانب النفخ في الشوفار، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن حدود الممارسات الدينية الإسرائيلية في محيط أحد أكثر المواقع حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وتوثقت الطقوس في تسجيلات مصورة نشرها الناشط الإسرائيلي أوري أوهايون، أظهرت مشاركين يؤدون صلوات قرب المنطقة الشرقية للمسجد الأقصى، فيما ظهر أحد المشاركين وهو ينفخ في البوق اليهودي، المعروف بالشوفار.

ويأتي هذا التحرك بعد دعوات أطلقها أوهايون خلال الأيام الماضية لحشد يهودي في محيط الجدار الشرقي للأقصى وإقامة صلوات «السليخوت» في المنطقة، في محاولة لإحياء طقوس دينية في موقع لا تزال طبيعته الدينية والسياسية موضع نزاع شديد.

 

اقرأ أيضاً:حرائق الضفة تتسع.. المستوطنون يحرقون الممتلكات ويطاردون السكان


باب الرحمة في قلب التحرك

وتكتسب التحركات قرب باب الرحمة أهمية خاصة بسبب موقعه على السور الشرقي للمسجد الأقصى، وهو الجزء الذي يشهد منذ سنوات نشاطاً متزايداً من جماعات يهودية تسعى إلى توسيع نطاق حضورها الديني في محيط المسجد.

وبحسب الدعوات التي نشرها أوهايون، جرى التخطيط لتجمع ليلي قبل التوجه سيراً إلى المنطقة المحاذية لباب الرحمة، في مسعى وصفه منظموه بأنه إحياء لطقوس دينية في الجدار الشرقي.

ولا يقتصر الخلاف هنا على إقامة صلاة في مكان عام، إذ إن تكرار هذه الممارسات في محيط الأقصى يمكن أن يحمل دلالة مختلفة عندما يأتي ضمن تحركات منظمة ودعوات متتابعة لتثبيت حضور ديني يهودي في مناطق ملاصقة للمسجد.

 

حشد كبير عند حائط البراق

وتزامنت التحركات عند باب الرحمة مع تجمعات واسعة للمصلين اليهود في محيط حائط البراق، حيث شارك عشرات الآلاف في مراسم «السليخوت» المركزية.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن أكثر من 50 ألف شخص شاركوا في المناسبة، في مشهد يعكس حجم الحضور الديني اليهودي في محيط البلدة القديمة خلال هذه الفترة من السنة.

ويفصل بين مناطق التجمع اليهودي والمسجد الأقصى نطاق مكاني محدود، ما يجعل أي انتقال للطقوس إلى نقاط جديدة حول أسوار المسجد ذا حساسية مضاعفة، خصوصاً عندما يرتبط بخطاب يعتبر المنطقة جزءاً من موقع ديني يهودي.

 

من الطقس الديني إلى تثبيت الحضور

وتتجاوز دلالة النفخ في الشوفار أو إقامة الصلوات طبيعة الطقس نفسه عندما تتم في مناطق ذات حساسية سياسية ودينية عالية.

فالتحركات المتكررة والمنظمة يمكن أن تسهم تدريجياً في تطبيع وجود هذه الممارسات داخل المجال المحيط بالأقصى، بما يخلق واقعاً ميدانياً جديداً حتى من دون إعلان رسمي عن تغيير الترتيبات القائمة.

وتنظر الجهات الفلسطينية إلى أي محاولة لتوسيع الممارسات اليهودية داخل محيط المسجد باعتبارها مساساً بالوضع التاريخي والقائم للمكان، فيما تحذر من أن انتقال هذه التحركات من المناسبات الموسمية إلى نشاط متكرر ومنظم قد يزيد احتمالات الاحتكاك.

ومن هذه الزاوية، فإن أهمية تحركات باب الرحمة لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو طبيعة الطقوس، وإنما في السؤال المتعلق بحدودها ومآلاتها: هل تبقى مرتبطة بمناسبات دينية محددة، أم تتحول مع الوقت إلى حضور متكرر في نقاط جديدة حول المسجد؟

 

الأقصى أمام معادلة شديدة الحساسية

وأثارت التسجيلات المتداولة ردود فعل غاضبة بين الفلسطينيين ومستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن إقامة الطقوس قرب أسوار الأقصى تمثل محاولة لفرض وقائع جديدة في محيطه.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه التحركات في ظل التوتر السياسي والأمني في القدس قد يرفع مستوى الاحتكاك، لا سيما إذا انتقلت الطقوس من محيط الأسوار إلى داخل ساحات المسجد أو أصبحت أكثر انتظاماً.

وتكمن حساسية الوضع في أن المسجد الأقصى لا يمثل موقعاً دينياً فحسب، بل يشكل أحد أبرز رموز القضية الفلسطينية، بينما تعد البلدة القديمة في القدس نقطة مركزية في الصراع على السيادة والهوية.

ولهذا فإن أي تغيير تدريجي في طبيعة الاستخدام الديني للمناطق المحيطة به يمكن أن تكون له نتائج تتجاوز الجانب التعبدي، وتصل إلى إعادة تشكيل قواعد التعامل مع الموقع.

 

اختبار جديد للوضع القائم

وتعيد تحركات باب الرحمة طرح مسألة الوضع التاريخي والقائم في المسجد الأقصى، في ظل مخاوف فلسطينية من أن تتحول الخطوات المتفرقة إلى مسار تراكمي يفرض واقعاً جديداً على الأرض.

ولا تعني إقامة هذه الطقوس وحدها حدوث تغيير رسمي في ترتيبات المسجد، لكن تكرارها وتوسيع نطاقها يبقيان موضع متابعة، خصوصاً مع تصاعد نشاط جماعات دينية يهودية تدعو إلى تكريس حضورها في محيط الأقصى.

وفي ظل غياب مؤشرات على تراجع هذه التحركات، تبدو القدس أمام مرحلة أكثر حساسية، حيث يمكن لطقس ديني محدود في ظاهره أن يتحول، عبر التكرار والتنظيم والموقع الجغرافي، إلى جزء من صراع أوسع على طبيعة المكان ومستقبله.

ومن هنا، فإن المشهد عند باب الرحمة لا يُقرأ فقط باعتباره مناسبة دينية، بل بوصفه مؤشراً إضافياً إلى الطريقة التي تتداخل بها الطقوس مع السياسة والجغرافيا في محيط المسجد الأقصى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 10