تتجه الأنظار مجدداً إلى مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما، وسط مؤشرات على تمسك إسرائيل بوجود عسكري في المنطقة، رغم الضغوط الأميركية الرامية إلى دفع عملية الانسحاب قدماً.
وتبرز المرتفعات الواقعة في محيط النبطية باعتبارها إحدى أكثر النقاط تعقيداً في مسار التفاهمات المتعلقة بالوجود الإسرائيلي جنوب لبنان، في وقت لم تتوقف فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، ما يضع التفاوض أمام واقع ميداني يتغير بالتوازي مع المسار السياسي.
موقع استراتيجي وحسابات أمنية
وبحسب ما أوردته صحيفة إسرائيلية نقلاً عن مصدر أمني، ترى تل أبيب أن المنطقة المحيطة بعلي الطاهر ترتبط بمنشآت عسكرية تحت الأرض تابعة لحزب الله، وتقول إن قواتها تحاصر داخلها عدداً من العناصر.
وتدعي إسرائيل كذلك وجود عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني داخل هذه المنشآت، وهي معلومات لم يصدر بشأنها تأكيد مستقل.
وتعتمد إسرائيل في تبرير إبقاء قواتها على اعتبار المنطقة ذات أهمية أمنية، بسبب موقع المرتفعات وإطلالها على محاور حيوية، فضلاً عن اعتقادها بوجود بنية تحتية عسكرية تحت الأرض.
لكن هذه المقاربة تضع مسألة الانسحاب أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ إن تحويل منطقة محددة إلى ملف أمني مفتوح قد يؤخر الانتقال إلى مراحل أخرى من الاتفاق، خصوصاً إذا ربطت إسرائيل الانسحاب بتحقيق أهداف عسكرية إضافية.
اقرأ ايضا:
14.5% ارتفاعاً في أسعار الغذاء.. الغلاء يثقل اللبنانيين
عام دراسي على الأبواب.. مدارس لبنان تواجه أزمة الإيواء
البحر في أخطر حالاته.. تحذير شامل على الساحل اللبناني
بين العملية المحدودة والهجوم الواسع
وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن تل أبيب تتجنب، في الوقت الراهن، تنفيذ عملية واسعة ضد المنشآت التي تقول إنها موجودة في المنطقة، خشية أن يؤدي ذلك إلى رد إيراني وتصعيد جديد يصعب احتواؤه.
وبدلاً من ذلك، يجري التركيز على عمليات محدودة وضربات جوية وبرية، بما يسمح لإسرائيل بالحفاظ على الضغط العسكري من دون الانتقال إلى مواجهة أوسع.
ويعكس هذا الخيار محاولة للموازنة بين هدفين متعارضين: منع ما تعتبره إسرائيل تهديداً أمنياً محتملاً، وتجنب خطوة عسكرية قد تفتح جبهة جديدة في وقت تحاول فيه واشنطن تثبيت مسار الانسحاب.
كما أن استمرار العمليات العسكرية في منطقة يفترض أن تكون مشمولة بترتيبات الانسحاب يزيد صعوبة الفصل بين المفاوضات والوقائع الميدانية.
مفاوضات روما أمام اختبار جديد
ومن المقرر أن تعقد الجولة المقبلة من المفاوضات مطلع أيلول في روما، بعد انتهاء الجولة السابقة في السادس من آب من دون التوصل إلى تفاهم بشأن توسيع نطاق المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وكان لبنان وإسرائيل قد توصلا في واشنطن في حزيران إلى إطار تفاهم برعاية أميركية، يقوم على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني.
لكن الخلاف خلال الجولات اللاحقة تركز على آلية الانتقال بين مراحل الانسحاب، إذ يطالب الجانب اللبناني بتوسيع المناطق التي يشملها الانسحاب، بينما تتمسك إسرائيل بإكمال إجراءات أمنية في مناطق سبق أن انسحبت منها أو تعمل على تثبيت ترتيباتها فيها.
وهنا تبرز علي الطاهر كواحدة من النقاط التي يمكن أن تختبر مدى قدرة الوساطة الأميركية على تحويل التفاهم السياسي إلى خطوات ميدانية.
معادلة صعبة أمام واشنطن
ولا تبدو مهمة الولايات المتحدة سهلة في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية جنوب لبنان من جهة، وتمسك بيروت بضرورة استكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية من جهة أخرى.
فكلما طال بقاء القوات الإسرائيلية في مناطق إضافية، أصبح من الصعب على الجانب اللبناني التعامل مع الانسحاب باعتباره مساراً متدرجاً وثابتاً، بينما ترى إسرائيل أن الاعتبارات الأمنية تفرض عليها الاحتفاظ بهامش عسكري حتى بعد التوصل إلى التفاهمات.
وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال لفترات طويلة يحمل كلفة سياسية وأمنية على إسرائيل نفسها، وهو ما أقر به المصدر الأمني الذي نقلت عنه الصحيفة الإسرائيلية، مشيراً إلى صعوبة إبقاء القوات داخل الأراضي اللبنانية على المدى الطويل.
الميدان يسبق التفاوض
وتزامنت هذه التطورات مع تصعيد ميداني في محيط علي الطاهر ومناطق أخرى من جنوب لبنان. وكانت إسرائيل قد تحدثت أخيراً عن اعتراض طائرات مسيرة قالت إنها استهدفت قواتها في المنطقة، من دون إعلان حزب الله مسؤوليته عن إطلاقها.
وردت إسرائيل بغارات على مناطق عدة، بينها عربصاليم، حيث أعلنت السلطات الصحية اللبنانية مقتل امرأة وإصابة ستة أشخاص، بينهم طفلة.
ويكشف استمرار هذا النمط من التصعيد أن مسار التفاوض لا يزال مرتبطاً بشكل وثيق بالواقع العسكري على الأرض. فبينما تحاول واشنطن تثبيت خطوات الانسحاب ومنع عودة التصعيد، تواصل إسرائيل التعامل مع أجزاء من الجنوب من منظور أمني، في حين يصر لبنان على أن أي ترتيب مستقبلي يجب أن يقود في النهاية إلى استعادة السيطرة على كامل أراضيه.
وبذلك، لا تبدو عقدة علي الطاهر مجرد خلاف جغرافي محدود، بل اختباراً لمسار كامل: هل تنجح المفاوضات في تحويل التفاهمات إلى انسحاب فعلي، أم يتحول الاستثناء الأمني الإسرائيلي إلى عامل يؤخر تنفيذ الاتفاق ويعيد إنتاج التوتر جنوب لبنان؟