يفرض نقص الوقود وقطع الغيار في قطاع غزة واقعًا معيشيًا وصناعيًا شديد الصعوبة، بعدما تجاوزت تداعيات الأزمة مسألة توفير الكهرباء لتطال المولدات التجارية ومحطات الوقود والمخابز والمنشآت الطبية. ومع تعذر إدخال كميات كافية من المحروقات ومستلزمات الصيانة، لجأت قطاعات مختلفة إلى حلول بدائية مرتفعة التكلفة، بعضها يعتمد على وقود بديل يتسبب في أعطال متكررة وانبعاثات كثيفة تهدد العاملين والسكان.
اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 24_8_2026
تعكس أوضاع المولدات التجارية حجم الضغوط الناجمة عن شح المحروقات، إذ تحولت عمليات الصيانة التي كانت تستغرق دقائق قبل الحرب إلى ساعات طويلة، في ظل صعوبة توفير المحركات والزيوت والفلاتر وقطع الغيار.
تغذي إحدى محطات المولدات في المحافظة الوسطى مناطق النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح والزوايدة، إلا أن نقص المستلزمات جعل إصلاح المعدات أكثر تعقيدًا وكلفة. وبحسب مسؤول عن تشغيلها، ارتفعت تكلفة إصلاح محرك واحد إلى نحو عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل
7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما يصعب العثور على محركات جديدة أو زيوت ومستلزمات صيانة مناسبة.
تظهر آثار الزيوت السوداء على أيدي الفنيين أثناء فحص المحركات والتوصيلات، في مشهد يعكس حجم العمل اليدوي الذي بات ضروريًا لإبقاء المعدات عاملة. ويقول المسؤول إن العاملين يواصلون جهودهم على مدار الساعة لتأمين الكهرباء للسكان، رغم العجز المستمر منذ عامين.
ولم يتوقف الأمر عند إصلاح الآلات، إذ اضطر العاملون إلى تصنيع وقود بديل محلي يعرف باسم «السولار الصناعي»، من مواد خام تُحرق ثم يعاد تجهيزها للاستخدام. ويصف المسؤول هذه العملية بأنها مرهقة وخطرة بسبب الأدخنة المنبعثة أثناء الحرق.
وقود بديل بتكلفة مضاعفة
كان استخدام الديزل الطبيعي، بحسب المسؤول، كفيلًا بتقليل الأعطال وتحسين الخدمة وخفض تكلفة الكهرباء، لكن القيود المفروضة على إدخاله دفعت المحطات إلى الاعتماد على البدائل. وأوضح أن إصلاح قطعة كانت تستغرق قرابة 10 دقائق قبل الحرب أصبح يحتاج إلى نحو 4
ساعات من العمل المتواصل.
في الوقت ذاته، ارتفع الطلب على الكهرباء بصورة ملحوظة، وفق مشرف آخر في إحدى محطات التوليد، بعدما أدى انقطاع التيار طوال فترة الحرب إلى اعتماد شرائح واسعة على المولدات التجارية، من بينهم أطباء الأسنان والمهندسون والمستشفيات والمخابز وأصحاب المحال.
ويشير المشرف إلى أن منع إدخال المولدات وقطع غيارها، إلى جانب شح الفلاتر والزيوت والديزل الطبيعي، ضاعف الأعباء على أصحاب المحطات والمستهلكين، بينما وصلت تكلفة الكيلوواط إلى مستويات تفوق قدرة كثير من السكان.
وقبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كان لتر الديزل الإسرائيلي أو المصري يباع بنحو 5 شواكل، فيما كانت المحطات تبيع الكيلوواط بنحو 4 شواكل. أما حاليًا، فيتراوح سعر لتر الوقود بين 50 و60 شيكلًا، ما جعل تشغيل المولدات عبئًا اقتصاديًا كبيرًا.
ولا تقتصر أضرار الوقود البديل على سعره المرتفع، إذ يؤدي استخدام «السولار الصناعي» إلى استهلاك المحركات بسرعة، بحيث لا يصمد المحرك الذي يعمل به لأكثر من شهرين قبل حاجته إلى صيانة شاملة وقطع غيار يصعب توفيرها داخل القطاع.
امتدت أزمة المحروقات كذلك إلى خدمات المياه والصرف الصحي. وكانت بلديات غزة قد حذرت في 18 أغسطس/آب من انهيار وشيك لهذه المنظومة، نتيجة نقص الوقود والزيوت والمستلزمات، ما تسبب في تعطيل مولدات وآبار ومحطات ضخ، وهدد خدمات أساسية يعتمد عليها ملايين السكان.
اقرأ أيضاً:قوة الـ20 ألف في غزة تواجه نقصاً دولياً
محطات الوقود تحت الأنقاض
في إحدى محطات الوقود التي طالها الدمار، يقف صاحبها أمام المضخات التي حطمها القصف، مستعيدًا الفترة التي كانت فيها المنشأة توفر نحو 4 آلاف لتر من البنزين والديزل يوميًا لمناطق في المحافظة الوسطى، قبل أن تتوقف عن العمل وتتضرر مبانيها وآلاتها وتوصيلاتها.
يحاول صاحب المحطة إعادة تشغيل بعض المعدات بالاعتماد على قطع غيار مستعملة ومتاحة، بهدف استعادة الحد الأدنى من النشاط. غير أن النقص يشمل مقومات أساسية، بينها المياه والكهرباء ومعدات الإطفاء ووسائل السلامة العامة التي تضررت خلال الحرب.
المخابز أمام خطر التوقف
تواجه المخابز بدورها تداعيات شح الوقود، إذ يعتمد أحد المخابز الآلية على «السولار الصناعي» لتقليل استهلاك قطع الغيار، في ظل غياب الخيارات الأخرى. ويؤكد أحد العاملين أن تعطل أي قطعة قد يؤدي إلى توقف العمل بصورة كاملة.
ويحتاج توفير الوقود البديل إلى التواصل مع عدة محارق لإنتاج كميات محدودة لا تتجاوز 20 أو 30 لترًا يوميًا. كما أن خصائص هذا الوقود غير مستقرة؛ فقد يشتعل في وقت ويفشل في وقت آخر، ما يؤدي إلى تعطيل المخابز والغلايات ويجعل العملية الإنتاجية غير منتظمة.
وتكشف الأدخنة السوداء الكثيفة داخل المخبز جانبًا إضافيًا من الأضرار، إذ يوضح العامل أن الوقود البديل تسبب في تلف مضخات التشغيل وانبعاث روائح وأدخنة مزعجة للعاملين والسكان القريبين. كما انعكس ارتفاع كلفة المحروقات على سعر المنتجات، الذي يتحمله المستهلك في النهاية.
الخطر يمتد إلى القطاع الصحي
تتزامن هذه الأوضاع مع تحذيرات وزارة الصحة في غزة من أن نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار يهدد قدرة المرافق الطبية على الاستمرار في تقديم خدماتها.
وبحسب الوزارة، لم تعد تعمل سوى 12 محطة أكسجين من أصل 34، وسط مخاوف من توقف المحطات المتبقية إذا استمر نقص المستلزمات الضرورية. كما اضطرت عيادات متنقلة إلى تعليق خدماتها بسبب نفاد الوقود والزيوت.
هكذا لم يعد نقص الوقود في غزة أزمة مرتبطة بالإنارة وتشغيل المولدات فقط، بل تحول إلى عامل يضغط على قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغذاء والصحة، في وقت تدفع فيه محدودية المحروقات وقطع الغيار السكان والعاملين إلى الاعتماد على بدائل بدائية تزيد التكلفة والأعطال والمخاطر الصحية والبيئية.