الصين تراهن على "قاتلات المسيّرات" لمواجهة حروب المستقبل

2026.08.28 - 23:12
Facebook Share
طباعة

دفاع جوي جديد
تتجه شركات صينية إلى تطوير جيل جديد من الطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة، المصممة لملاحقة الطائرات المسيّرة وتدميرها، في استجابة للطلب المتزايد على وسائل دفاعية أقل كلفة من الصواريخ التقليدية.
ويأتي هذا التوجه مع تحول المسيّرات الصغيرة والرخيصة إلى عنصر متزايد الأهمية في الحروب الحديثة، بعدما أثبتت قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بتكلفة محدودة، ما دفع الجيوش إلى البحث عن وسائل اعتراض تتناسب كلفتها مع طبيعة الأهداف التي تواجهها.

اقرأ أيضاً: سفينة تزرع الألغام.. تركيا توسّع قدراتها البحرية


الاصطدام بدلاً من التشويش
تختلف الطائرات الاعتراضية الجديدة عن بعض أنظمة مكافحة المسيّرات التقليدية التي تعتمد على التشويش الإلكتروني أو تعطيل إشارات الاتصال وتحديد المواقع.
وتعمل هذه الطائرات على اكتشاف الهدف وتتبع مساره ثم اعتراضه والاصطدام به مباشرة، في محاولة للتغلب على بعض المسيّرات التي قد تكون أقل اعتماداً على الاتصالات اللاسلكية أو أنظمة تحديد المواقع.
وتقول شركات صينية إن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهم في تحسين قدرات هذه الطائرات على اكتشاف الأهداف وتوجيه نفسها نحوها.
وبحسب نماذج عرضتها شركات متخصصة في معرض للطائرات المسيّرة بمدينة شنتشن، تستطيع بعض الطائرات الاعتراضية الوصول إلى سرعات تتجاوز 300 كيلومتر في الساعة.

اقرأ أيضاً: زيلينسكي يأمر بتصعيد هجمات المسيّرات على روسيا


خبرة أوكرانية
أسهمت التجارب القتالية في أوكرانيا والشرق الأوسط في تسريع تطوير تقنيات مكافحة المسيّرات، مع تزايد استخدام الطائرات الانتحارية منخفضة التكلفة.
وفي أوكرانيا، اتجهت القوات إلى تطوير طائرات اعتراضية محلية لمواجهة أهداف يصعب التعامل معها بالوسائل الإلكترونية التقليدية، ما عزز الاهتمام عالمياً بهذا النوع من الأنظمة.


الصين توسع حضورها
شهد أحد أكبر معارض الطائرات المسيّرة في الصين هذا العام عرض عشرات النماذج الجديدة من الطائرات الاعتراضية، في مؤشر على توسع الشركات الصينية في قطاع كان محدوداً نسبياً حتى وقت قريب.
وتستفيد هذه الشركات من قاعدة صناعية واسعة في مجال الطائرات المسيّرة التجارية، إلى جانب توافر مكونات رئيسية مثل المحركات والبطاريات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم.
وقال وين تينغ، مؤسس شركة "شنتشن ويتشوان لمعدات النماذج"، إن شركته بدأت تطوير طائرات اعتراضية في أكتوبر الماضي، قبل أن تصل قدرتها الإنتاجية إلى عدة آلاف من الوحدات شهرياً، مع بيع بعض منتجاتها لعملاء في روسيا ودول في الشرق الأوسط.
وأضاف أن أنظمة التعرف على الأهداف والتوجيه للاعتراض تعمل بصورة مستقلة، مشيراً إلى ارتفاع مستوى دقتها، وفق وصفه.


ميزة صناعية
تأتي هذه التطورات في ظل موقع الصين المتقدم في سوق الطائرات المسيّرة التجارية.
وتستحوذ شركة DJI، ومقرها شنتشن، على حصة كبيرة من السوق العالمية للطائرات المسيّرة المستخدمة في المجالات غير العسكرية والحكومية، بينما تمتلك الصين أيضاً قاعدة واسعة لإنتاج المكونات الأساسية لهذه الطائرات.
وتمنح هذه البنية الصناعية الشركات الصينية قدرة على تطوير طائرات الاعتراض وإنتاجها بأعداد كبيرة، مقارنة بقطاعات دفاعية تعتمد على تصنيع محدود ومرتفع التكلفة.


الطباعة تخفض الكلفة
كان انتشار نماذج مصنعة بالطباعة ثلاثية الأبعاد من أبرز ملامح معرض شنتشن، إذ ظهرت طائرات صغيرة مزودة بأربعة أجنحة ومحركات كهربائية وكاميرات ووحدات توجيه.
وتراوحت الأسعار المعلنة لبعض النماذج بين 10 آلاف و20 ألف يوان، أي ما يعادل نحو 1500 إلى 2900 دولار للطائرة، فيما كانت النماذج التي تفتقر إلى أنظمة التوجيه الآلي أقل تكلفة.
وتتيح هذه التقنية تصنيع الطائرات بسرعة وبكميات كبيرة، بما قد يجعل استخدامها في مواجهة المسيّرات الأقل تكلفة من الاعتماد على صواريخ اعتراضية باهظة الثمن.
لكن انخفاض سعر الطائرة لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة منظومة الدفاع بأكملها، إذ تحتاج عملية الاعتراض إلى التكامل مع الرادارات وأجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والسيطرة القادرة على اكتشاف الهدف وتحديد موقعه وتوجيه الطائرة نحوه.


التحدي في الدمج
قال أوسكار شو، ممثل شركة "فوجيان لينغشين لتكنولوجيا المعلومات"، إن تصنيع الطائرة نفسها لا يمثل الجزء الأكثر تعقيداً، بينما تكمن الصعوبة الرئيسية في دمجها مع أنظمة أخرى، وفي مقدمتها الرادارات.
كما لا تزال مستويات الدقة تختلف بين الشركات، إذ أعلنت بعض الجهات نسب نجاح تراوحت بين 50 و100%، بينما أقرت شركات أخرى بأن أنظمة التوجيه الذاتي لا تزال قيد التطوير.


سباق عالمي
ولا تقتصر المنافسة في هذا المجال على الصين، إذ دفعت الحروب والصراعات الأخيرة دولاً وشركات إلى البحث عن وسائل منخفضة التكلفة لاعتراض المسيّرات.
وتبرز هنا معادلة اقتصادية وعسكرية جديدة، تتمثل في صعوبة الاستمرار في استخدام صواريخ مرتفعة الثمن لإسقاط طائرات مسيّرة قد لا تتجاوز كلفتها جزءاً صغيراً من تكلفة الصاروخ.
في المقابل، تواجه الطائرات الاعتراضية تحديات، بينها اعتماد كثير من النماذج على الاستخدام لمرة واحدة، ومحدودية قدرتها على التعامل مع أسراب كبيرة من المسيّرات في وقت واحد.
ومع ذلك، يرى متخصصون أن المدى الطويل والقدرة على التعامل مع أهداف يصعب تعطيلها إلكترونياً قد يمنحان هذه التكنولوجيا دوراً متزايداً في منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات.


سوق تتوسع
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في وقت سابق إن عدداً من دول الخليج استخدم طائرات اعتراضية أوكرانية لإسقاط مسيّرات إيرانية، في مؤشر على اتساع السوق المحتملة لهذه التكنولوجيا خارج أوروبا.
ويرى برايان بوكمون، الرئيس التنفيذي لشركة "Aimlock" الأسترالية المتخصصة في مكافحة المسيّرات، أن الانخفاض المتسارع في تكلفة تقنيات اعتراض الطائرات من دون طيار قد يمثل تحولاً مهماً في هذا القطاع.


الصين تراهن على الكلفة
تجمع الصين في هذا المجال بين قاعدة صناعية واسعة، وخبرة كبيرة في تصنيع المسيّرات، وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد.
ومع استمرار الحروب الحديثة في تعزيز دور المسيّرات منخفضة التكلفة، يتجه السباق تدريجياً إلى تطوير وسائل أسرع وأرخص للتعامل معها، في مسار تسعى بكين إلى ترسيخ موقع متقدم فيه.
لا تبدو المعركة المقبلة مرتبطة فقط بتطوير مسيّرات أكثر تطوراً، بل أيضاً بابتكار وسائل اقتصادية وفعالة لإسقاطها. وفي هذا السباق، تراهن الشركات الصينية على الإنتاج واسع النطاق والذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد لتحويل الطائرات الاعتراضية إلى عنصر جديد في منظومات الدفاع الجوي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 8