أعاد الإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية ملف السويداء إلى واجهة النقاش السياسي، وسط تساؤلات حول مستقبل القوى المحلية المسلحة في المحافظة، وعلى رأسها المجموعة المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، وحول مدى قدرة هذه القوى على الحفاظ على موقعها في ظل تغير المعادلات الداخلية والإقليمية.
اقرأ أيضاً:رفع سوريا من قائمة الإرهاب.. متى تبدأ المكاسب الاقتصادية؟
ويكتسب النقاش أهمية إضافية من ارتباط ملف السويداء بالتوازنات الإقليمية، ولا سيما الموقف الإسرائيلي من الجنوب السوري، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تثبيت سلطة الدولة وإنهاء حالات الانقسام العسكري والإداري التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
من مشروع روج آفا إلى مؤسسات الدولة
يرى متابعون أن تجربة قوات سوريا الديمقراطية تقدم نموذجاً مهماً لفهم المسار الذي يمكن أن تواجهه المشاريع المحلية المسلحة عندما تتغير موازين القوى.
فقوات سوريا الديمقراطية، التي ارتبط مشروعها خلال سنوات الحرب بإدارة مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا، انتقلت إلى مسار الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بالتوازي مع استمرار أبناء المنطقة في إدارة جانب من شؤونها المحلية والخدمية، وانتشار قوى الأمن العام من أبناء المحافظة.
وبغض النظر عن تفاصيل الاتفاق وآليات تنفيذه، فإن الاتجاه العام يعكس أولوية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ضمن مؤسسات الدولة، بدلاً من استمرار كيانات عسكرية وإدارية منفصلة.
وهذا التطور يطرح سؤالاً حول مستقبل بقية الملفات الداخلية، وفي مقدمتها السويداء، التي ما تزال تشهد حضوراً مسلحاً خارج البنية المركزية للدولة.
السويداء أمام معادلة مختلفة
لا يمكن التعامل مع ملف السويداء باعتباره نسخة مطابقة لتجربة شمال شرقي سوريا، فالمحافظة تمتلك خصوصيتها الاجتماعية والجغرافية والسياسية، كما أن موقعها الجنوبي يجعلها أكثر ارتباطاً بحسابات إسرائيل والأردن وملف الحدود الجنوبية.
لكن القاسم المشترك يتمثل في السؤال حول مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وإمكانية الوصول إلى صيغة تجمع بين خصوصية الإدارة المحلية وبين وحدة القرار السيادي والأمني.
وفي هذا السياق، يرى منتقدون للشيخ حكمت الهجري أن هامش المناورة أمامه قد يتراجع إذا اتجهت دمشق إلى تثبيت تفاهمات أوسع مع القوى المحلية، بالتزامن مع تغير الموقف الإقليمي من الملف السوري.
إسرائيل والمصالح المتبدلة
يبقى العامل الإسرائيلي أحد أكثر عناصر المشهد حساسية.
فالدعم السياسي أو الأمني الذي قد تحصل عليه قوى محلية من أطراف خارجية لا يعني بالضرورة استمرار هذا الدعم بالصيغة نفسها، إذ تخضع العلاقات بين الدول والقوى المحلية في النهاية لحسابات المصالح.
اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 25-8-2026
ومن هذه الزاوية، يبرز تساؤل حول مستقبل الرهان على الدور الإسرائيلي في ملف السويداء، خصوصاً إذا نجحت دمشق وتل أبيب في الوصول مستقبلاً إلى ترتيبات أمنية تتعلق بالحدود الجنوبية، أو إلى تفاهمات تخفف مستوى التوتر القائم.
وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فقد تعيد إسرائيل حساباتها بشأن مستوى انخراطها في الملف الداخلي للسويداء، وهو ما قد ينعكس مباشرة على القوى المحلية التي بنت جزءاً من موقعها على أساس وجود دعم خارجي.
بين السلاح والدولة
المسألة الأساسية التي تواجه السويداء لا تتعلق فقط بموقف شخصية أو مجموعة مسلحة، بل بمستقبل العلاقة بين المحافظة والدولة.
فأي صيغة مستقرة تحتاج إلى معالجة مجموعة من الملفات في وقت واحد، بينها الأمن المحلي، والإدارة، وحقوق السكان، وموقع أبناء المحافظة داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى مصير السلاح المنتشر خارج الأجهزة الرسمية.
ومن هنا، فإن تجربة دمج قوات سوريا الديمقراطية، إذا استقرت على الأرض، قد تشكل سابقة مهمة في النقاش السوري حول كيفية إنهاء التشكيلات العسكرية المنفصلة من دون تجاهل الخصوصيات المحلية.
هل تتغير حسابات الهجري؟
يضع هذا الواقع حكمت الهجري أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في مراحل سابقة. فاستمرار المواجهة مع دمشق يحتاج إلى بيئة إقليمية تسمح بذلك، بينما أي تغير في مواقف القوى المؤثرة قد يقلص الخيارات المتاحة أمام القوى المحلية.
وفي المقابل، فإن انتقال السويداء إلى ترتيبات أكثر ارتباطاً بالدولة لا يعني بالضرورة إلغاء خصوصيتها المحلية، إذ يمكن أن تتجه التسوية، في حال توافرت شروطها، نحو صيغة تجمع بين الإدارة المحلية والمشاركة السياسية والأمنية لأبناء المحافظة، وبين حصر القرار العسكري بالدولة.
وبذلك، قد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت السويداء ستبقى خارج مؤسسات الدولة، بل أي صيغة ستسمح بدمج المحافظة في الدولة من دون تحويل العملية إلى مواجهة جديدة.
ومع تغير المشهد بعد اتفاقات دمشق مع قوى سورية أخرى، يبدو أن هامش الخيارات أمام جميع الأطراف يتجه نحو الضيق، بينما تبقى قدرة دمشق على تقديم صيغة سياسية وأمنية مقبولة في السويداء عاملاً حاسماً في تحديد المسار المقبل.