ضغط متصاعد
تكثّف إسرائيل منذ أيام غاراتها على تلة علي الطاهر ومحيطها في جنوب لبنان، بالتوازي مع استهداف تلة الدبشة ودوحة كفررمان ومناطق في النبطية الفوقا، في تحرك يوحي بمحاولة فرض ضغط متدرج على المنطقة وعزل التلة عن محيطها، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت تل أبيب تسعى إلى احتواء الموقع بالنار أم تمهّد لعملية عسكرية أكثر مباشرة.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن أهمية التصعيد لا تقتصر على استهداف تلة علي الطاهر، بل تمتد إلى طبيعة المواقع المحيطة بها، التي تبدو مترابطة جغرافياً وعسكرياً، ما يجعل استهدافها جزءاً من مقاربة أوسع تهدف إلى الحد من قدرة الموقع على الحركة والتواصل والحصول على الدعم اللوجستي.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 24_8_2026
استهداف المحيط
وتحظى دوحة كفررمان وحي الدير في النبطية الفوقا باهتمام خاص في سياق الضربات الأخيرة، إذ تعرضت المنطقة لسلسلة غارات تزامنت مع استهداف المرتفعات المحيطة بعلي الطاهر.
وتشير المعطيات إلى أن تدمير عدد من المنازل والمنشآت في هذه المناطق قد يندرج ضمن محاولة الضغط على البيئة المحيطة بالتلة، بما يتجاوز القصف المباشر للموقع نفسه، ورفع كلفة استمرار أي وجود عسكري فيه.
وبحسب محللون، فإن إضعاف المحيط قد يصبح جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تقليص قدرة الموقع على الصمود، ومنع إعادة بناء أي بنية عسكرية أو تأمين خطوط حركة ودعم باتجاهه.
اقرأ أيضاً: سلام وجنبلاط يبحثان التصعيد الإسرائيلي وتداعياته على لبنان
خيارات إسرائيل
وتفيد التقديرات بأن إسرائيل تواجه ثلاثة مسارات محتملة في التعامل مع الوضع.
الأول، الإبقاء على القصف المتواصل لمنع إعادة بناء أي بنية عسكرية والحد من الحركة من التلة وإليها. والثاني، الانتقال إلى سياسة عزل تدريجية تستهدف تقليص القدرة على الصمود داخل الموقع. أما الثالث، فيتمثل في تنفيذ عملية عسكرية أكثر تركيزاً إذا لم تحقق سياسة الضغط والقصف النتائج المطلوبة.
ويأتي ذلك بعدما أفادت المعطيات بخروج عدد من الأشخاص من التلة خلال الفترة الماضية، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت خالية أو أن قراراً بالحسم العسكري قد اتُخذ.
اقرأ أيضاً: مسيرة إسرائيلية تستهدف سيارة إسعاف في دوحة كفررمان
حسابات نتنياهو
ويتجاوز التصعيد حدود الحسابات العسكرية، ليصل إلى الحسابات السياسية الإسرائيلية، ولا سيما بالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
فالحرب الواسعة قد تمنحه هامشاً لتأجيل الاستحقاق الانتخابي، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة إذا أدت إلى عودة الصواريخ إلى الداخل الإسرائيلي أو وقوع خسائر في الجبهة الداخلية، بما قد يحوّل التصعيد إلى عبء سياسي.
أما التصعيد المحدود، فقد يوفر له فرصة لتقديم نتيجة أمنية واضحة للجمهور الإسرائيلي إذا نجح في تحقيق أهدافه من دون الانزلاق إلى حرب واسعة، لكنه قد يتحول بدوره إلى نقطة ضعف إذا لم يحقق النتائج المتوقعة.
«إنجاز بلا حرب»
وتطرح هذه المعادلة سيناريو تسعى فيه إسرائيل إلى تحقيق مكسب أمني بأقل تكلفة ممكنة، عبر دفع الموجودين في علي الطاهر إلى تقليص حضورهم تحت ضغط القصف، من دون الحاجة إلى عملية برية واسعة.
وفي حال استمر القصف من دون تحركات برية، فقد يشير ذلك إلى اعتماد سياسة الضغط بالنار والعزل التدريجي. أما تصاعد الضربات النوعية بالتزامن مع تحركات ميدانية، فقد يعكس انتقالاً نحو محاولة فرض سيطرة مباشرة على مواقع استراتيجية في المنطقة.
حسابات حزب الله
وفي المقابل، يبدو أن حزب الله يتعامل مع التصعيد بحذر، في محاولة لتجنب منح إسرائيل ذريعة للانتقال إلى مواجهة أوسع.
وبحسب المعطيات الواردة، لا يزال قرار اتُّخذ قبل أسابيع يقضي بعدم إطلاق النار إلا في حال محاولة القوات الإسرائيلية التقدم باتجاه التلة، على أن تتركز النيران حينها من المناطق المحيطة باتجاه القوة المتقدمة لرفع كلفة أي تحرك ميداني ومنع تحويل القصف إلى سيطرة فعلية.
المشهد المفتوح
وبين الضغط بالنار والاحتمال العسكري، تبقى تلة علي الطاهر أمام اختبار جديد، فيما تحاول إسرائيل تحقيق أهدافها من دون تحمل كلفة حرب واسعة، بينما يسعى الحزب اللبناني إلى تجنب الانجرار إلى مواجهة تخدم الحسابات الإسرائيلية.
وتبقى طبيعة الضربات المقبلة، وما إذا كانت ستظل ضمن إطار القصف والعزل أو تتطور إلى تحرك بري، العامل الأبرز في تحديد اتجاه التصعيد خلال المرحلة المقبلة.