تتصدر تلة علي الطاهر في قضاء النبطية المشهد الميداني والدبلوماسي في جنوب لبنان، بعدما تحولت إلى إحدى أبرز النقاط التي تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرة عليها ضمن ترتيباتها الأمنية الجديدة. ويمنح موقع التلة المرتفع إشرافاً واسعاً على النبطية وعدد من البلدات والطرق الحيوية، ما يجعل مصيرها جزءاً حساساً من المباحثات الجارية بوساطة أميركية.
وتكتسب المنطقة أهمية إضافية مع تمسك حزب الله بها ورفض التخلي عنها، في ظل تاريخ طويل من المواجهات التي شهدتها منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
اقرأ أيضاً:سلام وجنبلاط يبحثان التصعيد الإسرائيلي وتداعياته على لبنان
موقع يطل على النبطية والجنوب
ترتفع تلة علي الطاهر نحو 600 متر عن سطح البحر، وتقع شمال نهر الليطاني، ضمن مرتفع يمتد بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا.
ويمنح ارتفاعها موقعاً مكشوفاً على مدينة النبطية ومحيطها، إضافة إلى عدد من القرى والمحاور الممتدة في جنوب لبنان، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية كبيرة لأي طرف يفرض وجوده فيها.
تضم التلة مقاماً دينياً ارتبط باسم علي غملوش، الذي دُفن في الموقع، قبل أن يتحول الضريح إلى مزار حمل اسم «علي الطاهر»، فيما عُرف الجبل تاريخياً بتسميات مختلفة، بينها «طُرّة» و«جبل الطهرة».
من مقام ديني إلى موقع عسكري
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أنشأت القوات الإسرائيلية موقعاً عسكرياً محصناً في محيط المقام، بالتزامن مع وجودها في قلعة الشقيف.
وربط الموقع بمنظومة من المرتفعات العسكرية، أبرزها تلة الدبشة وتلة الطهرة، التي تشرف على النبطية وكفررمان وعربصاليم وإقليم التفاح.
خلال فترة الاحتلال، تعرض المقام لأضرار واسعة بعدما استخدمته القوات الإسرائيلية كنقطة عسكرية، وتحولت التلة إلى موقع لتنفيذ عمليات وقصف استهدف مناطق محيطة بها.
معارك طويلة للسيطرة على التلة
شكلت تلة علي الطاهر جزءاً من شبكة المواقع التي حاول حزب الله استنزاف القوات الإسرائيلية الموجودة فيها خلال سنوات الاحتلال.
وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 1994، نفذ الحزب عملية اقتحام لموقع الدبشة القريب، في هجوم وصفته وسائل إعلام تابعة له بأنه محطة بارزة في المواجهات مع الجيش الإسرائيلي في منطقة النبطية.
كما ارتبطت المنطقة بتاريخ من العمليات والقصف الذي طال المدنيين، ومن أبرز الوقائع التي تذكرها الرواية المحلية مجزرة حافلة مدرسية وقعت في 21 مارس/آذار 1993، وأدت إلى سقوط أطفال بين قتيل وجريح.
لماذا تعود التلة إلى الواجهة؟
اقرأ أيضاً:مسيرة إسرائيلية تستهدف سيارة إسعاف في دوحة كفررمان
برزت أهمية علي الطاهر مجدداً مع التطورات العسكرية الأخيرة في جنوب لبنان، إذ تعرضت المنطقة لسلسلة غارات إسرائيلية بعد انتهاء الحرب عام 2024، فيما شهدت محيط كفرتبنيت والتلة محاولات تقدم إسرائيلية خلال العمليات اللاحقة.
استخدم الجيش الإسرائيلي القصف المدفعي والغارات الجوية والاستطلاع الجوي لتغطية تحركاته في المنطقة، بينما تحدثت وسائل إعلام تابعة لحزب الله عن هجمات استهدفت القوات المتقدمة وأجبرتها على التراجع.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن المنطقة تضم منشآت وبنى تحتية مرتبطة بحزب الله، وهو ما تستخدمه تل أبيب مبرراً لاستمرار استهدافها.
عقدة في المفاوضات
لا تقتصر أهمية التلة على الحسابات العسكرية، إذ دخلت ضمن النقاشات الدبلوماسية الجارية بوساطة أميركية للتوصل إلى ترتيبات بشأن الوضع في جنوب لبنان.
ويجعل موقعها المرتفع والسيطرة البصرية التي توفرها من الصعب التعامل معها كنقطة جغرافية عادية، خصوصاً في حال ربطها بترتيبات انتشار القوات ومساحات الحركة والمراقبة على جانبي الحدود.
تخشى أوساط لبنانية أن يؤدي تحويل التلة إلى نقطة تمركز عسكرية دائمة إلى تغيير ميزان السيطرة في المنطقة، بينما ترى إسرائيل أن الاحتفاظ بمواقع مرتفعة يوفر لها قدرة أكبر على مراقبة التحركات في العمق اللبناني.
إرث عسكري يحدد الحاضر
تكمن حساسية علي الطاهر في اجتماع ثلاثة عوامل داخل مساحة جغرافية محدودة: الارتفاع الذي يمنحها قيمة إشرافية، والقرب من مدينة النبطية وعدد من البلدات الجنوبية، والتاريخ العسكري الذي جعلها نقطة صراع خلال عقود.
وبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، دُمرت أجزاء من المواقع العسكرية التي كانت تستخدمها خلال الاحتلال، وبينها مرتفع علي الطاهر، وفق ما أوردته وسائل إعلام لبنانية.
لكن عودة التلة إلى دائرة الاستهداف تكشف أن قيمتها العسكرية لم تختفِ بانتهاء الاحتلال، بل بقيت مرتبطة بموقعها وقدرتها على التأثير في حركة القوات والمراقبة داخل المنطقة.
معركة على الأرض وطاولة التفاوض
تحولت تلة علي الطاهر من موقع عسكري خلال سنوات الاحتلال إلى ورقة حاضرة في الحسابات الأمنية والسياسية الحالية، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والمساعي الأميركية لتثبيت ترتيبات جديدة في الجنوب.
ويجعل مصير التلة أحد الاختبارات المهمة لأي تفاهم مقبل، لأن السيطرة عليها أو إخلاءها لا يتعلق بمساحة محدودة فقط، بل بموقع قادر على التأثير في الأمن والمراقبة والتحركات العسكرية حول النبطية ومناطق واسعة من جنوب لبنان.
بين الرغبة الإسرائيلية في فرض واقع أمني جديد والتمسك اللبناني بعدم تحويل المرتفعات الاستراتيجية إلى مواقع عسكرية، تبدو علي الطاهر نقطة قد تحدد جانباً من شكل الترتيبات المقبلة في الجنوب.