توازنات دقيقة في سوريا
تتحرك الولايات المتحدة في الملف السوري عبر مسارات متوازية، تشمل دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مؤسسات الدولة، واحتواء التوتر بين تركيا والأكراد، ومنع عودة تنظيم «داعش»، إلى جانب إبقاء قنوات التواصل بين دمشق وتل أبيب مفتوحة.
وتظهر تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك أن واشنطن تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها مترابطة، وأن استقرار سوريا يتطلب موازنة المصالح الأمنية المتعارضة بين دمشق وأنقرة والقوى الكردية وإسرائيل.
اقرأ أيضاً: بعد دمج قسد.. ترتيبات عسكرية جديدة لعفرين
دمج «قسد»
قال باراك إن عملية دمج «قسد» في مؤسسات الحكومة السورية حققت تقدماً على المستوى العسكري، بينما لا تزال الملفات السياسية والتعليمية المتعلقة بالأكراد قيد التفاوض.
وأوضح أن قائد «قسد» مظلوم عبدي أعلن التزامه بالاندماج الكامل عسكرياً في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن واشنطن تواصل العمل على الجوانب السياسية والتعليمية.
ويعكس ذلك، وفق محللين، تقدماً في الجانب العسكري مقارنة بالملفات المتعلقة بوضع الأكراد وحقوقهم السياسية والإدارية والتعليم باللغة الكردية.
وأكد باراك في الوقت نفسه استمرار خصوصية العلاقة بين واشنطن والقوى الكردية التي تعاونت معها خلال الحرب ضد «داعش»، واصفاً الأكراد بأنهم أصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة.
اقرأ أيضاً: على طريق صيدنايا.. عبوة تستهدف الأمن والاستقرار
«داعش» في الحسابات
ويرتبط مستقبل «قسد» بملف آخر يمثل أولوية لواشنطن، وهو خطر «داعش». وأشار باراك إلى وجود نحو 9400 من عناصر التنظيم في السجون السورية، محذراً من مخاطر غياب آلية قضائية واستراتيجية طويلة الأمد للتعامل معهم.
وقال إن التنظيم يحاول استغلال حالة عدم الاستقرار لإعادة بناء قدراته، ما يجعل أي فراغ أمني في شمال شرقي سوريا مصدر قلق لواشنطن.
وأشار إلى وجود تنسيق بين تركيا وإسرائيل وسوريا في مواجهة التنظيم، في أحد الملفات التي تتقاطع فيها مصالح أطراف متنافسة داخل الساحة السورية.
اقرأ أيضاً: الجولان يفجّر خلافاً علنياً بين براك وكاتس
تركيا والأكراد
وأكد باراك أن ترتيبات دمج «قسد» لا يمكن فصلها عن الصراع الممتد بين تركيا والأكراد، في ظل اختلاف المواقف من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب.
وتعاونت واشنطن مع القوات الكردية في مواجهة «داعش»، بينما تنظر أنقرة إلى أي بنية عسكرية كردية قرب حدودها باعتبارها تهديداً لأمنها القومي.
ويرى محللون أن نجاح عملية الدمج يتطلب مراعاة المخاوف التركية بالتوازي مع مصالح دمشق والأكراد، لمنع تحول الترتيبات الجديدة إلى مواجهة عسكرية جديدة.
دمشق وتل أبيب
وفي المسار السوري الإسرائيلي، قال باراك إن واشنطن سهلت محادثات مباشرة بين دمشق وتل أبيب، واصفاً اللقاءات الرسمية وغير الرسمية بين الجانبين بأنها مثمرة.
وأوضح أن المرحلة الأولى ركزت على أمن الحدود وخفض التصعيد، مع بحث ترتيبات تتعلق بمراقبة الحدود والنشاط العسكري، بهدف الحد من احتمالات الاحتكاك.
وتحاول دمشق تثبيت سيادتها ووقف الضربات الإسرائيلية.
وأشار باراك إلى أن ملف الجولان السوري لا يزال من القضايا العالقة، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية عليه.
سوريا التي تريدها واشنطن
قال باراك إن الهدف الأميركي يتمثل في الحفاظ على سوريا دولة مستقلة وذات سيادة، مع معالجة المخاوف الأمنية للدول المجاورة.
وتتداخل في هذا التصور عدة مصالح؛ فدمشق تسعى إلى بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادتها، وتركيا تركز على أمن حدودها ومنع تشكل تهديد كردي، بينما يريد الأكراد الحفاظ على مكتسباتهم السياسية والإدارية، في حين تركز إسرائيل على منع ما تعتبره تهديدات أمنية، وتتمسك واشنطن بمنع عودة «داعش».
إدارة الأزمة لا حسمها
ويخلص محللون إلى أن السياسة الأميركية في سوريا تبدو أقرب إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار، بدلاً من حسم الخلافات دفعة واحدة.
وتسعى واشنطن إلى دمج «قسد» داخل الدولة السورية من دون إقصاء الأكراد، وطمأنة تركيا من دون إعادة إنتاج الصراع الكردي التركي، والحفاظ على قنوات التواصل بين دمشق وإسرائيل، بالتوازي مع سد الطريق أمام عودة «داعش».
اختبار التوازن
تعكس هذه الملفات الوضع المعقد في سوريا، حيث تتقاطع مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية. وبينما يبدو منع التصعيد أولوية في المرحلة الحالية، فإن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الأمنية إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.