يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغوطاً متزايدة على خلفية تعثر أجندته الخارجية، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط مخاوف داخل الحزب الجمهوري من أن تتحول الملفات الدولية التي جعلها الرئيس محوراً رئيسياً لولايته الثانية إلى عبء انتخابي يهدد الأغلبية الجمهورية.
وبحسب تحليل نشرته وكالة "رويترز"، فإن تعثر المساعي الأمريكية لإنهاء الحرب على إيران، إلى جانب عدم تحقيق اختراق حاسم في ملفي غزة وأوكرانيا، قد ينعكس على شعبية ترمب وحزبه قبل الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وكان ترمب قد جعل من إنهاء الحروب وتسوية النزاعات الدولية أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت استمرار عدد من الصراعات، بل وانضمام حرب جديدة مع إيران إلى قائمة الأزمات التي تواجه إدارته.
إيران.. مفاوضات متعثرة وحرب مكلفة
وتبرز الحرب مع إيران باعتبارها أحد أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية، خصوصاً بعد إعلان ترمب وقف المحادثات مع طهران وفرض حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية عليها، عقب جهود دبلوماسية هدفت إلى إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تداعيات اقتصادية متزايدة للحرب داخل الولايات المتحدة، مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط التضخمية، وهو ما قد ينعكس على الناخب الأمريكي بشكل مباشر.
وبحسب أحدث استطلاع أجرته "رويترز" بالتعاون مع مؤسسة "إبسوس"، بلغت نسبة الأمريكيين المؤيدين لأداء ترمب نحو 33%، في مؤشر يعكس تراجعاً في شعبيته خلال هذه المرحلة.
كما أدى الصراع إلى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ما زاد المخاوف بشأن أسعار النفط والغاز وانعكاسات الأزمة على الاقتصاد العالمي والأمريكي.
وفي تطور يعكس حدة التوتر، لوّح ترمب بإمكانية توجيه ضربات إلى سلطنة عُمان، التي تضطلع بدور دبلوماسي في المفاوضات مع إيران بشأن إعادة فتح المضيق، الأمر الذي يضع واشنطن أمام تداعيات إقليمية واقتصادية إضافية.
ضغط سياسي داخل واشنطن
وتنقل "رويترز" عن أحد حلفاء ترمب أن الحرب على إيران فرضت "عبئاً ثقيلاً" على الرئيس، في ظل غياب توافق كامل داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية التعامل مع الأزمة.
وتزداد الضغوط على البيت الأبيض في حال استمرار الحرب، خصوصاً مع احتمال ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع قدرة الإدارة على تمرير أجندتها الداخلية، في وقت يسعى فيه الجمهوريون إلى الحفاظ على أغلبيتهم في الكونغرس.
وتدافع الإدارة الأمريكية عن سياستها تجاه إيران باعتبار أن الحرب والعقوبات تهدفان إلى منع طهران من امتلاك سلاح نووي، بينما تنفي إيران مراراً سعيها إلى تطوير سلاح نووي.
وفي المقابل، تحاول إدارة ترمب تقديم صورة مختلفة عن نتائج سياستها الخارجية، إذ تقول المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الرئيس نجح في إنهاء عدد من الحروب وتعزيز النفوذ الأمريكي، إضافة إلى إطلاق الأسرى الإسرائيليين من قطاع غزة وتحقيق مكاسب تجارية.
غزة.. تعثر جديد
ولا يبدو ملف غزة أفضل حالاً بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، إذ تعثرت الجهود الرامية إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار.
وعاد جاريد كوشنر، مبعوث ترمب وصهره، من إسرائيل دون تحقيق تقدم ملموس في المحادثات التي كانت تستهدف دفع الاتفاق إلى مرحلته التالية، في وقت لا تزال فيه القضايا الأساسية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة وآليات تثبيت وقف إطلاق النار محل خلاف.
ويزيد تعثر هذا المسار من الضغوط على ترمب، الذي قدم نفسه خلال حملته الانتخابية باعتباره قادراً على إنهاء الحروب وإجبار الأطراف المتنازعة على التوصل إلى اتفاقات.
أوكرانيا.. السلام لا يزال بعيداً
أما الحرب الروسية الأوكرانية، فتواصل بدورها تحدي الإدارة الأمريكية، بعدما فشلت المحاولات السابقة في تحقيق اختراق نهائي لمسار التفاوض.
وتترقب كييف تحركات أمريكية جديدة لإحياء المفاوضات، بينها زيارة محتملة للمبعوثين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، فيما تؤكد الحكومة الأوكرانية حاجتها إلى استمرار الدعم الأمريكي والأوروبي في مواجهة روسيا.
وترى الباحثة في معهد بروكينغز أصلي آيدين تاشباش أن ترمب نجح في تحدي التوافق التقليدي داخل واشنطن بشأن السياسة الخارجية، لكنه لم يتمكن حتى الآن من تحويل هذا النهج إلى استراتيجية تحقق نتائج ملموسة للأمريكيين.
الانتخابات.. الحسابات تبدأ مبكراً
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ فاستمرار الحروب الخارجية لا يهدد فقط صورة ترمب كزعيم قادر على عقد الصفقات وإنهاء النزاعات، بل قد يفرض أيضاً كلفة اقتصادية على الناخب الأمريكي.
وبين إيران وغزة وأوكرانيا، تتراكم الملفات أمام البيت الأبيض دون تسوية نهائية، في وقت يحتاج فيه الجمهوريون إلى الحفاظ على قاعدة انتخابية واسعة وتجنب تحميل الحزب مسؤولية أزمات خارجية ذات انعكاسات مباشرة على الداخل الأمريكي.
وهكذا، فإن الرئيس الذي جعل شعار إنهاء الحروب أحد عناوين ولايته الثانية يواجه اختباراً أكثر تعقيداً: هل تتحول الحروب التي وعد بإنهائها إلى عامل يهدد مستقبله السياسي ومستقبل حزبه في الكونغرس؟