تقترب العلاقة بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» من اختبار مختلف عن المراحل السابقة، مع انتقال ملف الدمج من مستوى الاتفاقات السياسية والعسكرية إلى مرحلة يفترض أن تحدد شكل العلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى التي أدارت مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا خلال سنوات الحرب.
وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات قائد «قسد» مظلوم عبدي أهمية خاصة، بعدما أعلن خلال احتفالية مئوية مدينة القامشلي أن مرحلة دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية «اكتملت وانتهت»، مستنداً إلى اتفاق 29 يناير/كانون الثاني 2026.
اقرأ أيضا: استهداف اسرائيلي جديد بريف دمشق يرفع منسوب التوتر
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 21-8-2026
اقرأ أيضا: زملكا تحيي ذكرى الغوطة.. والعدالة في صدارة المطالب
إعلان سياسي يتجاوز السلاح
لا تبدو أهمية تصريحات عبدي في مضمونها المباشر فقط، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها، خصوصاً أنها صدرت في مدينة القامشلي وفي مرحلة تشهد تنفيذ خطوات متتابعة مرتبطة بالاتفاق بين دمشق و«قسد».
ويرى الباحث في الشأن الكردي خورشيد دلي أن خطاب عبدي يعكس انتقالاً من مرحلة الصراع العسكري إلى مرحلة العمل السياسي داخل مؤسسات الدولة، مع التركيز على معالجة الملفات المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية والقضية الكردية عبر القنوات الرسمية.
وبحسب هذا التقييم، فإن التحول لا يعني التخلي عن المطالب السياسية، بل تغيير الأدوات المستخدمة لتحقيقها، بحيث تصبح المؤسسات السياسية والدستورية ومجلس الشعب ساحات أساسية للنقاش بدلاً من القوة العسكرية أو الإدارة المنفصلة.
وهذا التحول، إذا ترسخ، سيكون من أبرز نتائج الاتفاق، لأنه ينقل الخلاف من سؤال السيطرة على الأرض إلى سؤال طبيعة المشاركة داخل الدولة وحدود الصلاحيات التي ستمنح للمناطق المعنية.
الدمج على الورق لا يكفي
لكن إعلان انتهاء عملية الدمج لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيلها حُسمت عملياً.
ويشير الأكاديمي والباحث السياسي باسل الحاج جاسم إلى أن الإعلان يحمل وزناً سياسياً واضحاً، لكنه لا يساوي بالضرورة اكتمال إعادة هيكلة القوات والمؤسسات والتراتبية الإدارية على الأرض.
وتبقى ملفات الصلاحيات وإدارة الموارد وترتيب المؤسسات الأمنية والعسكرية من أكثر القضايا حساسية، فضلاً عن مسألة الثقة بين دمشق والقوى المحلية، وهي عوامل قد تحدد ما إذا كان الاتفاق سينتقل فعلاً من صيغة سياسية إلى واقع مؤسسي مستقر.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً من مرحلة التفاوض السابقة، لأن الخلاف لن يكون حول توقيع الاتفاق بقدر ما سيكون حول تفسير بنوده وآليات تنفيذها.
نهاية الازدواجية؟
في المقابل، ترى دمشق أن المسار الحالي يجب أن يقود إلى إنهاء المؤسسات والكيانات الموازية، وتوحيد القرار الإداري والأمني والعسكري تحت مظلة الدولة.
وفي هذا الإطار، اعتبر نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي أن تصريحات عبدي تمثل مؤشراً على مرحلة جديدة تعزز حضور مؤسسات الدولة، مشيراً إلى خطوات سابقة قال إنها تصب في الاتجاه ذاته، ومنها إزالة بعض الرموز والأعلام الحزبية من المؤسسات والساحات العامة.
غير أن اختبار هذا المسار سيبقى مرتبطاً بمدى ترجمته إلى إجراءات عملية، وليس بمجرد إزالة الرموز أو إطلاق التصريحات السياسية.
فنجاح الدمج يتطلب توحيد المؤسسات، وتحديد الصلاحيات، وضبط السلاح، وإنهاء أي ازدواجية في القرار الأمني والإداري، بالتوازي مع إيجاد صيغة سياسية تضمن مشاركة السكان المحليين وعدم تحويل عملية الدمج إلى مجرد انتقال شكلي للسلطة.
المعركة المقبلة سياسية
اتفاق 29 يناير/كانون الثاني جاء بعد مرحلة عسكرية متوترة، وتضمن وقف إطلاق النار وبدء عملية دمج عسكري وإداري، إلى جانب ملفات أخرى بينها عودة النازحين.
واليوم، تبدو الصورة مختلفة. فإذا كانت المعارك السابقة قد حسمت جانباً من مسألة السيطرة الجغرافية، فإن الأسئلة الأصعب انتقلت إلى داخل مؤسسات الدولة: كيف ستتم المشاركة السياسية؟ وما حدود الإدارة المحلية؟ وكيف ستُدار الموارد؟ وما الصيغة التي ستنظم العلاقة بين المركز والمناطق ذات الخصوصية السكانية والثقافية؟
وعليه، فإن إعلان عبدي قد يكون بالفعل مؤشراً على نهاية مرحلة الصراع العسكري، لكنه لا يعني نهاية الخلافات. بل ربما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها التفاوض السياسي على شكل الاندماج وحدود الشراكة داخل الدولة السورية.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي للاتفاق: ليس في إعلان انتهاء الدمج، وإنما في قدرة دمشق و«قسد» على تحويل هذا الإعلان إلى واقع مؤسسي مستقر، يمنع عودة التوتر ويغلق الباب أمام إعادة إنتاج الصراع بأدوات سياسية أو عسكرية جديدة.