دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والميداني، مع تمسك موسكو بمواقفها بشأن أي تسوية محتملة، بالتزامن مع تكثيف الضربات بعيدة المدى وارتفاع المطالب الأوكرانية بالحصول على مزيد من الدعم العسكري والدفاعي من الدول الغربية.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت، إن المقترحات التي تصل إلى موسكو بشأن تسوية الصراع لا تتوافق مع الواقع القائم، مؤكداً استعداد بلاده لمواصلة الحوار مع كييف، لكن على أساس ما وصفه بـ"الحقائق الموجودة على الأرض".
وأشار بوتين إلى أن الضربات الأوكرانية الأخيرة لم تؤد، وفق التقييم الروسي، إلى تغيير مسار المواجهة، فيما قال إن القوات الروسية تواصل تنفيذ عملياتها ضد أهداف مرتبطة بالبنية العسكرية والصناعية الأوكرانية.
اقرأ أيضا:
ترامب وولاية ثالثة.. طموح سياسي يصطدم بالدستور
ضربة روسية مزدوجة تحصد 15 قتيلاً في أوكرانيا
انفجار مخزن ذخيرة قرب منشآت أمنية في مصراتة
تصعيد متبادل
وتزامنت التصريحات السياسية مع تصعيد في الهجمات الجوية بين الطرفين، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض مئات الطائرات المسيّرة الأوكرانية خلال ساعات الليل.
وفي المقابل، تحدث مسؤولون روس عن سقوط قتلى وجرحى جراء هجمات أوكرانية استهدفت عدداً من المناطق، بينها سامارا وكراسنودار وبيلغورود وبريانسك، إضافة إلى منشآت صناعية ولوجستية.
وقالت شركة "أوزون" الروسية إن هجوماً أصاب مركزاً لوجستياً تابعاً لها في منطقة سامارا، ما أدى إلى توقف العمل فيه، بينما تحدثت السلطات المحلية عن أضرار وحرائق في منشآت أخرى.
وتأتي هذه الهجمات بعد ضربة روسية بطائرات مسيّرة استهدفت مركزاً تجارياً في أوكرانيا، وأسفرت، وفق السلطات المحلية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، في واحدة من الهجمات التي أعادت تسليط الضوء على ارتفاع الخسائر بين المدنيين خلال الأشهر الأخيرة.
وأفادت الأمم المتحدة بأن عدد الضحايا المدنيين في أوكرانيا منذ بداية العام الحالي ارتفع إلى مستويات هي الأعلى منذ المراحل الأولى للحرب، في ظل استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة على نطاق واسع.
برلين ترفع مستوى الدعم
وفي ظل استمرار التصعيد، أعلنت ألمانيا زيادة دعمها لأوكرانيا خلال زيارة وزير الخارجية يوهان فاديفول إلى كييف.
وأكد الوزير الألماني استمرار وقوف بلاده إلى جانب أوكرانيا، معلناً تخصيص مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 50 مليون يورو، على أن تذهب إلى وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات تعمل في المناطق القريبة من خطوط القتال.
كما أعلن تقديم 10 ملايين يورو لصندوق تابع لحلف شمال الأطلسي، بهدف دعم البنية التحتية للطاقة وتعزيز القدرات الأوكرانية في مواجهة الطائرات المسيّرة.
وخلال لقاء جمعه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بحث فاديفول سبل تعزيز الدفاعات الجوية والاستعدادات لفصل الشتاء، في وقت تستعد فيه كييف لاحتمال تعرض منشآت الطاقة لموجة جديدة من الهجمات.
كييف تبحث عن دفاعات جوية
وتضع الحكومة الأوكرانية تعزيز الدفاعات الجوية في مقدمة مطالبها من الحلفاء، خصوصاً مع الصعوبات التي تواجهها القوات الأوكرانية في اعتراض بعض الصواريخ الباليستية ونقص الصواريخ الاعتراضية، ولا سيما صواريخ منظومات "باتريوت".
وفي هذا السياق، قال زيلينسكي إنه بحث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تسريع تسليم معدات وصواريخ فرنسية، في محاولة لتعويض النقص في منظومات الدفاع الجوي.
كما تنتظر كييف الحصول على منظومة دفاع جوي أوروبية جديدة، إلا أن مصادر دبلوماسية أشارت في وقت سابق إلى أن التسليم قد يتأخر إلى العام المقبل.
وتسعى ألمانيا، من جهتها، إلى بحث ملف الدفاعات الجوية الأوكرانية مع عدد من الشركاء الأوروبيين والولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار النقاش حول مستقبل الدعم العسكري لكييف.
واشنطن في قلب الحسابات
ولا تقتصر التحركات الأوكرانية على الجانب العسكري، إذ تبدو واشنطن حاضرة بقوة في الحسابات المتعلقة بمسار التفاوض.
وقال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها إن جهود السلام تمر بمرحلة من الجمود، معتبراً أن زيادة المشاركة الأميركية ضرورية لدفع المسار السياسي إلى الأمام.
وتعكس هذه التصريحات فجوة مستمرة بين الموقفين الروسي والأوكراني؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه موسكو استعدادها للحوار وفق شروط ترتبط بالوضع الميداني، تطالب كييف بمزيد من الدعم العسكري والضغط السياسي على روسيا قبل تحقيق أي تقدم في مسار التسوية.
وبينما يستمر تبادل الضربات وتتصاعد الخسائر البشرية والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية، لا تبدو في الوقت الراهن مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى اتفاق شامل، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بقدرة الأطراف الدولية على تحريك المسار السياسي بالتوازي مع استمرار المواجهة العسكرية.