تكشف الغارات والقصف المدفعي الإسرائيلي المتواصل على بلدة المنصوري الحدودية ومحيطها في قضاء صور عن تصعيد ميداني يضغط على حضور الدولة اللبنانية في المنطقة، بالتزامن مع تحركات الجيش لفتح الطرق وإزالة الركام تمهيداً لعودة الأهالي.
اقرأ أيضاً:لبنان: نقابة الصيادلة تحذر من أزمة الخريجين والدواء المهرّب
وتزامن التصعيد مع مساعي المؤسسة العسكرية لتوسيع انتشارها داخل القرى الجنوبية، فيما تتواصل المفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي.
استهداف آلية للجيش اللبناني
أصيب عسكري لبناني إثر استهداف جرافة تابعة للجيش في المنصوري، أثناء مشاركتها في إزالة الركام وفتح الطرق التي أغلقتها الغارات السابقة.
ووفق مصادر أمنية لبنانية، لم يكن الاستهداف عرضياً، إذ ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنابل صوتية قبل توجيه ضربة إلى محيط الآلية، ما دفع العناصر الهندسية والعسكرية إلى وقف عملها.
كانت وحدات الجيش قد دخلت البلدة لتنظيف الشوارع وتأمين الممرات أمام العائلات التي غادرت منازلها عقب إنذارات الإخلاء الإسرائيلية.
وتعتقد المصادر الأمنية أن استمرار الضربات يبقي المنصوري ومحيطها في وضع هش، ويصعّب ترسيخ حضور رسمي لبناني مستقر فيها.
تدمير يعرقل عودة الأهالي
لم تقتصر العمليات على استهداف الطرق والآليات العسكرية، إذ طالت أضرار واسعة المنازل والمنشآت في المنصوري ومحيطها.
ويؤدي استمرار القصف إلى تعطيل أعمال رفع الأنقاض وإعادة تأهيل الطرق، وهي خطوات أساسية أمام السكان الراغبين في العودة إلى مناطقهم بعد موجات النزوح السابقة.
اقرأ أيضاً:قبل التوجه إلى مطار بيروت.. رسالة مهمة للمسافرين
كما يفرض تدمير البنية التحتية تحديات إضافية أمام الجيش والجهات المحلية، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى إزالة مخلفات القصف وتأمين الممرات قبل السماح بعودة المدنيين.
ضغط على الانتشار اللبناني
يضع التصعيد الإسرائيلي انتشار الجيش اللبناني أمام اختبار ميداني، بعدما بدأت وحداته العمل داخل مناطق كانت تعاني من أضرار واسعة جراء العمليات العسكرية.
ويمنح وجود المؤسسة العسكرية في المنصوري الدولة قدرة أكبر على مراقبة المنطقة وتنظيم الحركة فيها، فضلاً عن توثيق أي خروقات تحدث على الأرض.
وفي المقابل، تؤدي الضربات المتكررة إلى إبقاء المنطقة في حالة اضطراب، ما يحد من قدرة الجيش على تنفيذ مهامه بصورة مستقرة.
المنصوري في قلب المعادلة الحدودية
تكتسب البلدة أهمية بسبب موقعها في القطاع الغربي من جنوب لبنان، إذ تشكل نقطة اتصال بين الساحل وعدد من البلدات الواقعة إلى الداخل، بينها مجدل زون والبياضة وشمع.
ويجعل موقعها الجغرافي منها نقطة مهمة بالنسبة إلى حركة القوات والطرق المؤدية إلى المناطق الحدودية، كما يتيح الانتشار العسكري فيها مراقبة مساحة واسعة من محيطها.
يُنظر إلى تثبيت نقاط الجيش وحواجزه باعتباره خطوة تعزز حضور الدولة اللبنانية وتحد من التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل المنطقة.
المفاوضات تحت ضغط الميدان
يتزامن التصعيد مع مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة، يبحث آليات التحقق والانسحاب التدريجي والترتيبات الأمنية على الحدود.
ويضيف استمرار القصف والتدمير عاملاً ميدانياً إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً مع تضرر مناطق سكنية ومنشآت حيوية في عدد من القرى الجنوبية.
كما يثير استهداف أعمال الجيش اللبناني تساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن تمارسه المؤسسة العسكرية في المناطق القريبة من الحدود، ومدى قدرتها على التحرك من دون التعرض لضربات إسرائيلية.
«الأرض المحروقة» كخيار ميداني
يعتبر خبراء أن نمط التدمير المتكرر في المنصوري ومناطق أخرى من الجنوب لا يرتبط فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، بل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى إفراغ المناطق المستهدفة من النشاط المدني وإبقاء العودة إليها صعبة.
وتشير تقديرات إلى أن تدمير المنازل والطرق والمنشآت، إلى جانب استهداف أعمال إزالة الركام، يخلق واقعاً يصعب معه استعادة الحياة الطبيعية سريعاً.
ويرى مراقبون أن ما يجري في المنصوري يتجاوز الضربات العسكرية المباشرة، إذ يتقاطع التصعيد مع المفاوضات المتعلقة بمستقبل الانتشار الأمني في الجنوب.
يعتقد هؤلاء أن إبقاء المنطقة في حالة توتر قد يمنح إسرائيل ورقة ضغط خلال المحادثات، بينما يمثل استمرار الجيش اللبناني في فتح الطرق وتأمين عودة السكان اختباراً لقدرة الدولة على تثبيت حضورها في المناطق الحدودية.
ويبقى التحدي الأساسي أمام لبنان مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسة العسكرية على مواصلة مهامها وسط التصعيد، وبحجم الدعم السياسي والدبلوماسي الذي يمكن أن يحمي انتشارها ويعزز سلطة الدولة على كامل أراضيها.