أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح احتمال البقاء في البيت الأبيض بعد انتهاء ولايته الحالية، في تصريحات تعيد ملف الولاية الثالثة إلى الواجهة السياسية والقانونية. ورغم إبدائه استعداداً للترشح مجدداً، فإن العقبة الأساسية تتمثل في نص دستوري صريح يمنع انتخاب الرئيس لأكثر من ولايتين، ما يجعل أي عودة انتخابية في 2028 مرتبطة بتغيير القاعدة الدستورية.
ترامب: سأكون سعيداً بالترشح مجدداً
خلال تجمع سياسي في ميرتل بيتش بولاية كارولينا الجنوبية، قال ترامب إنه سيكون «سعيداً جداً» بالترشح لولاية ثالثة إذا جرى تغيير القواعد التي تمنع ذلك.
وجاء حديثه أثناء مشاركته في فعالية لدعم السناتورة الجمهورية دارلين غراهام في سباق مجلس الشيوخ، ضمن تحركاته لدعم مرشحي الحزب الجمهوري استعداداً لانتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ولا تمثل تصريحات ترامب إعلاناً رسمياً عن حملة انتخابية جديدة، لكنها تعيد إبقاء خيار 2028 حاضراً في النقاش السياسي الأميركي.
التعديل الـ22 يقف في طريقه
يصطدم أي ترشح مباشر لترامب بقاعدة دستورية واضحة.
ينص التعديل الـ22 للدستور الأميركي على عدم جواز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين. وبما أن ترامب انتُخب عام 2016 ثم عاد إلى المنصب بعد فوزه في انتخابات 2024، فإن النص الحالي يمنعه من الفوز بانتخاب رئاسي ثالث.
وبالتالي، فإن الوصول إلى البيت الأبيض عبر انتخابات 2028 يتطلب تغييراً دستورياً، وليس مجرد تعديل قانون انتخابي أو قرار سياسي من الكونغرس.
تعديل الدستور مهمة شديدة الصعوبة
يتطلب تغيير الدستور الأميركي موافقة ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ثم تصديق ثلاثة أرباع الولايات، أي 38 ولاية.
وتجعل هذه الشروط أي محاولة لإلغاء أو تعديل التعديل الـ22 شديدة التعقيد، خصوصاً أن المسألة تتجاوز الانقسام الحزبي لتطال قاعدة دستورية مرتبطة بمنع احتكار الرئاسة لفترات طويلة.
كان النائب الجمهوري آندي أوغلز قد تقدم في يناير/كانون الثاني 2025 بمشروع تعديل يسمح بانتخاب الرئيس ثلاث مرات، شرط ألا تكون الولايات الثلاث متتالية.
لكن المشروع بقي، وفق السجل المنشور على موقع الكونغرس، في مرحلة الإحالة إلى اللجنة القضائية بمجلس النواب، من دون أن يتحول إلى مسار تشريعي متقدم.
لماذا تعود فكرة الولاية الثالثة؟
لا تبدو تصريحات ترامب منفصلة عن النقاش المبكر داخل الحزب الجمهوري حول مرحلة ما بعد ولايته الحالية.
فمع اقتراب منتصف ولايته الثانية، بدأ الحديث عن الشخصيات التي يمكن أن تتصدر سباق الجمهوريين في 2028، ويبرز نائب الرئيس جاي دي فانس بين الأسماء المتداولة.
وإعادة ترامب الحديث عن الولاية الثالثة قد تحمل دلالات تتعلق بالحفاظ على نفوذه داخل الحزب، وإبقاء أنصاره في حالة تعبئة سياسية، والتأثير في عملية اختيار خليفته المحتمل.
لكنها في الوقت نفسه تطرح احتمال أن يكون الرئيس مهتماً بإبقاء مستقبله السياسي مفتوحاً، حتى مع صعوبة تحقيق تغيير دستوري يسمح له بالعودة إلى السباق.
هل توجد طرق أخرى للعودة؟
أثارت صياغة التعديل الـ22 على مدار عقود نقاشات قانونية بشأن سيناريوهات نظرية للوصول إلى الرئاسة دون انتخاب مباشر للمرة الثالثة.
لكن هذه المسارات لم تُختبر قضائياً بطريقة تحسم إمكانية استخدامها، ولا توفر طريقاً واضحاً يمكن لترامب الاعتماد عليه للوصول إلى ولاية ثالثة.
عليه، يبقى المسار الأكثر وضوحاً من الناحية الدستورية هو تعديل النص نفسه، وهو خيار يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً يصعب تحقيقه.
إرث روزفلت وراء تحديد الولايات
يرتبط تحديد الرئاسة بولايتين بالتجربة التي سبقت إقرار التعديل الـ22، عندما انتُخب الرئيس فرانكلين روزفلت أربع مرات.
وبعد وفاته، اتجهت الولايات المتحدة إلى تثبيت قاعدة تحد من عدد مرات انتخاب الرئيس، قبل أن يدخل التعديل الـ22 حيز التنفيذ ويصبح جزءاً من الدستور.
وكان الهدف الأساسي منع تحول الرئاسة إلى منصب يمكن لشخص واحد الاحتفاظ به لفترات طويلة، وترسيخ مبدأ التداول المنتظم للسلطة.
ترامب يختبر حدود النقاش السياسي
تعيد تصريحات ترامب ملف حدود السلطة الرئاسية إلى النقاش الأميركي، لكنها لا تغير الوضع القانوني القائم.
فالطريق أمام ولاية ثالثة يظل مغلقاً وفق الدستور الحالي، ولا يمكن فتحه إلا عبر مسار دستوري بالغ الصعوبة.
وفي المقابل، فإن استمرار ترامب في طرح الفكرة قد يؤثر في الحزب الجمهوري نفسه، خصوصاً مع بدء ظهور أسماء محتملة لخلافته.
وتكمن أهمية التصريحات في أنها تبقي ترامب لاعباً أساسياً في تحديد اتجاه الحزب الجمهوري بعد انتهاء ولايته، كما تمنحه مساحة للتأثير في شكل السباق المقبل واختيار المرشح الذي يمكن أن يحمل إرثه السياسي.
وبذلك، فإن ملف 2028 يبقى مرتبطاً بحدود دستورية واضحة، بينما يظل نفوذ ترامب السياسي داخل الحزب قابلاً للاستمرار حتى من دون قدرته القانونية الحالية على الترشح لولاية ثالثة.