تتجه الأنظار إلى القاهرة مع تحرك وفد قيادي من حركة «فتح» لبحث الاستحقاق التشريعي المرتقب، وسط اتصالات تهدف إلى جمع القوى الفلسطينية حول ترتيبات انتخابية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول. وتحمل الخطوة دلالات تتجاوز موعد الاقتراع، إذ تتقاطع معها محاولات تشكيل تكتلات جديدة، واحتمال مراجعة «الجهاد الإسلامي» موقفها من المشاركة، إلى جانب خلافات حول القانون والبرنامج السياسي وشكل النظام الفلسطيني المقبل.
اقرأ أيضاً:انفجار مخزن ذخيرة قرب منشآت أمنية في مصراتة
لقاءات تتجاوز الترتيبات الانتخابية
من المقرر أن يتوجه وفد قيادي من «فتح» إلى القاهرة مساء السبت أو صباح الأحد، ويضم حسين الشيخ وماجد فرج وروحي فتوح، لعقد مباحثات مع مسؤولين مصريين وممثلين عن القوى الفلسطينية.
وقال مصدر مطلع من أحد الفصائل الموجودة في القاهرة لـ«الشرق الأوسط» إن الزيارة ستتضمن اجتماعات مع قوى فلسطينية مختلفة، لبحث الترتيبات الخاصة بالاستحقاق التشريعي المقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وأفاد مصدر من فصيل يساري بأن فكرة عقد لقاءات وطنية موسعة جاءت بمبادرة من أحد فصائل اليسار، بهدف توسيع فرص التوافق وإنجاح العملية الانتخابية.
ولا تبدو أهمية الزيارة مرتبطة بالتحضير الإداري للاقتراع فقط، إذ إن اجتماع قيادات «فتح» مع قوى منافسة قد يفتح الباب أمام تفاهمات سياسية أوسع، خصوصاً بعد فترة طويلة غلبت فيها الوساطات والاتصالات غير المباشرة على العلاقة مع «حماس».
لقاء «فتح» و«حماس» أمام اختبار جديد
يمثل اللقاء المرتقب بين «فتح» و«حماس» أحد أبرز محطات التحرك المصري، إذ يأتي بعد سنوات من القطيعة السياسية المباشرة.
وظلت الخلافات بين الطرفين تدور حول إدارة السلطة، ومستقبل غزة، وشكل النظام السياسي، إلى جانب شروط المشاركة في الاستحقاقات العامة.
ومن ثم، فإن مجرد استئناف الحوار المباشر لا يعني تجاوز الخلافات، لكنه قد يمنح الطرفين فرصة لاختبار إمكانية الوصول إلى قواعد مشتركة تمنع تحويل الاقتراع إلى جولة جديدة من الصراع.
«حماس» تبحث عن تكتل أوسع
تعمل «حماس» على بناء قائمة أو تكتل يضم قوى وشخصيات متعددة، بينها «الجهاد الإسلامي» و«لجان المقاومة» و«التيار الإصلاحي الديمقراطي» بقيادة محمد دحلان، إضافة إلى ناصر القدوة والملتقى الوطني الديمقراطي.
اقرأ أيضاً:باريس تستقبل محمد بن سلمان لبحث ملفات إقليمية
وأكد حسام بدران، عضو المكتب السياسي للحركة، توجهها نحو تكتل وطني واسع يضم قوى سياسية وشخصيات مستقلة، مشيراً إلى عقد لقاءات ثنائية وجماعية لهذا الغرض.
يحمل هذا التوجه احتمال انتقال المنافسة من ثنائية «فتح» و«حماس» إلى خريطة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا نجحت القوى المعارضة للقيادة الحالية في تنسيق قوائمها.
لكن جمع أطراف متباينة داخل قائمة واحدة لن يكون مهمة سهلة، فلكل مكون حساباته السياسية وموقفه من السلطة ومنظمة التحرير والبرنامج الوطني.
«الجهاد الإسلامي» أمام مراجعة تاريخية
تكتسب مواقف «الجهاد الإسلامي» أهمية خاصة، بعدما ظلت الحركة خارج الانتخابات السابقة، انطلاقاً من رفضها المشاركة ضمن الإطار السياسي المرتبط باتفاق أوسلو.
ولا تزال المشاركة المباشرة غير محسومة، إذ تدور مشاورات داخلية بشأن الخيارات المتاحة.
وأشار قيادي في الحركة بلبنان إلى تأييد قيادة التنظيم لأي تكتل وطني يحافظ على هوية القضية الفلسطينية، بينما أفاد قيادي آخر في غزة بأن الاتجاه قد يكون نحو دعم قائمة معينة من الخارج دون خوض السباق بصورة مباشرة.
ويعني ذلك أن التحول المحتمل لا يزال في مرحلة النقاش، لكنه يكشف تغيراً في طريقة تعامل الحركة مع العملية السياسية، ولو من بوابة الدعم الانتخابي غير المباشر.
اليسار يبحث عن صيغة مستقلة
لم تحسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» موقفهما من التكتل الذي يجري العمل عليه.
تدور داخل «الجبهة الشعبية» نقاشات بشأن المشاركة، خصوصاً مع علاقاتها القوية بـ«حماس»، بينما يبرز اتجاه لدى الجبهتين لتشكيل اصطفاف ديمقراطي موحد.
وقد يمنح هذا الخيار قوى اليسار فرصة للحفاظ على حضور مستقل بعيداً عن الاستقطاب التقليدي، لكنه في المقابل قد يجزئ الأصوات ويحد من فرص تشكيل جبهة فلسطينية انتخابية واسعة.
القانون يحدد حدود المشاركة
يظل قانون الانتخابات واحداً من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً مع وجود قيود تتعلق بمشاركة التنظيمات التي تمتلك أجنحة عسكرية.
تواجه «حماس» و«الجهاد الإسلامي» هنا معضلة قانونية وسياسية: كيف يمكن لقوى تحتفظ بأجنحة عسكرية الدخول في عملية انتخابية تخضع لشروط مرتبطة ببرنامج منظمة التحرير؟
قد أجرى الرئيس محمود عباس تعديلات على القانون، بينها إلزام القوائم ببرنامج منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ويتضمن البرنامج الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومواقف بشأن الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف، وهي شروط سبق أن رفضتها «حماس» وقوى أخرى.
وبالتالي، فإن أي تفاهم انتخابي يحتاج إلى معالجة هذه النقاط قبل الانتقال إلى تشكيل القوائم بصورة نهائية.
التأجيل يفتح حسابات جديدة
تتداول الأوساط السياسية احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية حتى مارس/آذار المقبل، بهدف إجراء الاقتراع الرئاسي والتشريعي في توقيت واحد.
وقد يمنح التأجيل القوى المختلفة فرصة أطول لتسوية خلافاتها، لكنه قد يطيل أيضاً حالة الجمود السياسي ويؤجل تجديد الشرعية الشعبية للمؤسسات.
والسؤال هنا لا يتعلق بالموعد وحده، بل بالظروف التي ستجري خلالها العملية: هل سيكون التأجيل مقدمة لتفاهم شامل، أم مجرد تمديد للخلافات القائمة؟
القاهرة أمام مهمة صعبة
تستعيد القاهرة دورها كمساحة للحوار الفلسطيني، بالتوازي مع جهود عربية وإسلامية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الرئيسية.
تزداد أهمية هذه التحركات مع استمرار الحرب والاعتداءات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، والحاجة إلى إعادة تنظيم المؤسسات الفلسطينية بما يسمح بإدارة شؤون الأراضي الفلسطينية ضمن إطار سياسي موحد.
تواجه الوساطة المصرية اختباراً معقداً، لأن الوصول إلى اتفاق حول موعد الاقتراع سيكون أسهل من التوافق على شكل النظام السياسي وقواعد المنافسة وحدود المشاركة.
اختبار يتجاوز صندوق الاقتراع
يرى مراقبون أن الحراك الحالي قد يمثل محاولة لإعادة صياغة الحياة السياسية الفلسطينية، لا مجرد التحضير لانتخابات تشريعية.
ويعتبرون أن نجاح المساعي مرتبط بقدرة «فتح» و«حماس» والقوى الأخرى على الاتفاق على قواعد واضحة للمنافسة، وضمان مشاركة أوسع قدر ممكن من المكونات السياسية، وتجنب تحويل النتائج إلى مصدر جديد للانقسام.
كما يرون أن دخول «الجهاد الإسلامي» بصورة مباشرة أو غير مباشرة سيغير حسابات القوى المختلفة، بينما قد يؤدي تشكيل تكتلات متعددة إلى إنهاء الثنائية التقليدية التي طبعت المنافسة الفلسطينية خلال السنوات الماضية.
في المقابل، فإن بقاء الخلاف حول القانون والبرنامج السياسي والسلاح دون تسوية قد يجعل أي اقتراع عرضة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها.
لهذا، فإن المعركة السياسية الحقيقية لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، بل قبل ذلك بكثير، عند الاتفاق على القواعد التي ستحدد من يشارك، وكيف يتنافس، وما الذي ستؤول إليه النتائج.