من الحرب إلى الدولة.. الفصل الأخير في مسار قسد

جاسم عليوي - الحسكة - وكالة أنباء آسيا

2026.08.21 - 23:55
Facebook Share
طباعة

نهاية مرحلة
في الوقت الذي احتفلت فيه القامشلي بمرور قرن على تأسيسها، شهدت المدينة محطة مفصلية في تاريخ الجزيرة السورية، مع إعلان مظلوم عبدي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية. ولم يكن الإعلان مجرد تحول إداري، بل بدا إيذاناً بانتهاء مرحلة نشأت في ظروف الحرب، وامتدت لأكثر من عقد.

اقرأ أيضاً: «قسد» تنهي ترتيبات الدمج في مؤسسات الدولة السورية


قبل "قسد"
لم تبدأ قصة شرق الفرات مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بل مع جغرافيا شديدة التنوع، تتداخل فيها المدن العربية والبلدات الكردية والمكونات السريانية والآشورية، إلى جانب علاقات عشائرية وتجارية واجتماعية سبقت قيام الحدود الحديثة.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتراجع حضور الدولة في مناطق واسعة من الشمال الشرقي، برزت قوى محلية تولت أدواراً أمنية وإدارية، فيما أصبحت وحدات حماية الشعب القوة الأكثر تنظيماً في المناطق ذات الغالبية الكردية.

اقرأ أيضاً: منسوب الفرات يتصاعد.. إجراءات احترازية في الشرق السوري


كوباني تغيّر المعادلة
جاء التحول الأبرز في خريف 2014، عندما حاصر تنظيم داعش مدينة عين العرب "كوباني". وتحولت المعركة من مواجهة محلية إلى محطة دولية، بعدما أصبحت القوات ذات القيادة الكردية شريكاً رئيسياً لـ التحالف الدولي في الحرب ضد التنظيم.
وفي عام 2015 تأسست قوات سوريا الديمقراطية، قبل أن تتوسع مناطق نفوذها تدريجياً من الحسكة إلى منبج والطبقة والرقة وأجزاء واسعة من دير الزور.

اقرأ أيضاً: الشيباني يبعث برسائل حاسمة إلى إسرائيل وإيران


بعد الباغوز
كان سقوط آخر معاقل داعش في الباغوز عام 2019 نقطة تحول جديدة. فبعد انتهاء المعركة الكبرى ضد التنظيم، لم تعد قسد مجرد قوة عسكرية، بل أصبحت تدير منطقة واسعة تضم مجالس محلية وبلديات وأجهزة أمنية ومؤسسات تعليمية وحقول نفط ومعابر وسجوناً.
وهنا تغير السؤال من كيفية مواجهة داعش إلى مستقبل المنطقة نفسها: هل تتجه نحو إدارة محلية داخل الدولة السورية، أم نحو تثبيت نموذج سياسي مستقل؟


اتفاق لم يكتمل
مع سقوط نظام الأسد، انتقلت القضية إلى الدولة السورية الجديدة. وكان اتفاق 10 آذار 2025 قد فتح الباب أمام تسوية سياسية تقوم على إدماج المؤسسات وإعادة تنظيم العلاقة بين دمشق وقسد.
لكن الاتفاق بقي لفترة إطاراً عاماً، فيما ظلت تفاصيل التنفيذ والسلطة المحلية والترتيبات الأمنية معلقة.


عبور الفرات
خلال عام 2026، شهدت المنطقة تطورات ميدانية متسارعة، من المواجهات في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب إلى التحركات باتجاه الحسكة، وصولاً إلى دخول القوات الحكومية مناطق شرق الفرات.
وأعطت هذه الخطوة معنى سياسياً لمسار جديد، إذ تحول النهر الذي كان لسنوات خطاً فاصلاً بين مناطق نفوذ مختلفة إلى نقطة عبور نحو إعادة دمج مؤسسات المنطقة ضمن الدولة.


من السلاح إلى السياسة
لم يكن مسار الدمج محصوراً بالمؤسسات العسكرية، بل شمل أجهزة الأمن والمؤسسات الخدمية والإدارية التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
ومع انتقال الملف من خطوط التماس إلى طاولة السياسة، برزت أسئلة جديدة حول اللامركزية والحقوق الثقافية والإدارة المحلية والتمثيل السياسي للأكراد وسائر مكونات المنطقة.
ولهذا اكتسب حديث عبدي عن "مرحلة جديدة" أهمية خاصة، إذ أشار إلى انتقال النضال من الأدوات العسكرية إلى الوسائل السياسية، في ظل واقع سوري مختلف.


ما الذي انتهى؟
لا يعني دمج مؤسسات قسد اختفاء الحضور الكردي من المشهد السوري، ولا يحسم وحده الملفات المتعلقة بالحقوق واللامركزية والتمثيل السياسي.
لكن ما يبدو أنه انتهى هو نموذج حكم نشأ في ظروف استثنائية فرضتها الثورة والحرب وصعود داعش وتراجع سلطة الدولة، قبل أن يتحول تدريجياً إلى منظومة عسكرية وإدارية واسعة.
لقد صنعت تلك المرحلة مؤسساتها وقياداتها وأنصارها وخصومها، ثم وجدت نفسها أمام واقع مختلف جذرياً عن الظروف التي ولدت فيها.


القامشلي شاهدة
قبل مئة عام، نشأت القامشلي مدينة حدودية صغيرة على ضفاف نهر جغجغ، وشهدت خلال قرن الانتداب والاستقلال والانقلابات والوحدة والانفصال وحكم البعث ثم الثورة والحرب.
وفي مئويتها، أصبحت شاهدة على تحول جديد في تاريخ الجزيرة السورية.
فإعلان دمج مؤسسات "قسد" في الدولة لا يغلق كل الملفات، لكنه يطوي فصلاً تاريخياً من الصراع على السلطة والنفوذ شرق الفرات.
أما المرحلة المقبلة، فلن تُحسم على خطوط الجبهات، بل عبر السياسة والدستور والتمثيل وشكل العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها المحلية. وهنا تبدأ الحكاية الجديدة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10