مرحلة ما بعد اليونيفيل
دخل لبنان مرحلة متقدمة من البحث عن صيغة دولية جديدة للوجود الأمني في الجنوب، مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» نهاية عام 2026، وسط تحركات لبنانية وأوروبية لبحث تشكيل قوة جديدة تقودها إيطاليا وتحظى بدعم سياسي ومالي أوروبي.
وتكتسب الاتصالات اللبنانية مع روما أهمية خاصة، في وقت تسعى فيه بيروت إلى تجنب أي فراغ أمني جنوباً، بينما تدرس الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون صيغة مختلفة عن نموذج «اليونيفيل» الحالي، من حيث الحجم والمهام وطبيعة التفويض.
اقرأ أيضاً: قرى جنوب لبنان تحت النار.. غارات إسرائيلية بلا توقف
روما في الواجهة
تبرز إيطاليا بوصفها المرشح الأبرز لقيادة القوة الأوروبية المحتملة، في ظل مشاركتها العسكرية الكبيرة في «اليونيفيل» وخبرتها الطويلة في لبنان.
وتأتي زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى روما ولقاؤه رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني في توقيت حساس، إذ يتصدر ملف مرحلة ما بعد «اليونيفيل» جدول الاتصالات اللبنانية مع العواصم الأوروبية.
وتبحث بيروت، وفق المعطيات المطروحة، إمكانية أن تتولى روما قيادة القوة الجديدة، إلى جانب دور في حشد التمويل الأوروبي وتشكيل نواتها الأساسية.
اقرأ أيضاً: سلام من الجنوب: نريد لبنان تحت سلطة الدولة الواحدة
موعد الانسحاب
وكان مجلس الأمن قد مدد مهمة «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن تتوقف عملياتها بعد ذلك، وتبدأ عملية انسحاب منظمة خلال عام 2027.
ودعا القرار الأمين العام للأمم المتحدة إلى دراسة الخيارات المستقبلية لمراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.
وأعلن الرئيس عون أن استمرار «اليونيفيل» يظل الخيار الأول بالنسبة إلى لبنان، لكنه أشار إلى أن البديل، في حال تعذر ذلك، يجب أن يكون قوة دولية تتمتع بإطار قانوني واضح يحول دون حدوث فراغ أمني في الجنوب.
اقرأ أيضاً: من 1949 إلى 2026.. رحلة الاتفاقات اللبنانية الإسرائيلية
لماذا إيطاليا؟
تملك روما عوامل عدة تعزز موقعها في أي ترتيبات مقبلة، أبرزها مساهمتها الكبيرة في «اليونيفيل»، إلى جانب مشاركتها في تدريب الجيش اللبناني واللجنة العسكرية التقنية الخاصة بدعم لبنان.
كما لعبت إيطاليا خلال الأشهر الماضية دوراً في استضافة جولات من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي ترعاها الولايات المتحدة، ولا سيما تلك المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وترتيبات المناطق التجريبية.
وتتمتع حكومة ميلوني كذلك بعلاقات وثيقة مع الإدارة الأميركية، في وقت تحافظ فيه روما على علاقات سياسية أقل توتراً مع إسرائيل مقارنة بعدد من الحكومات الأوروبية الأخرى.
برلين شريك محتمل
لا تقتصر التحركات على إيطاليا، إذ برزت ألمانيا أيضاً كطرف رئيسي في النقاش الأوروبي بشأن المرحلة المقبلة.
وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد طرح تشكيل قوة بتفويض أوروبي لتحل محل «اليونيفيل»، محذراً من أن انتهاء المهمة الأممية من دون آلية بديلة قد يؤدي إلى فراغ أمني في جنوب لبنان.
كما طلب عون من برلين لعب دور في ترتيبات مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، ما يعزز احتمال تشكيل محور إيطالي ـ ألماني داخل أي قوة أوروبية مستقبلية.
باريس ومدريد في الحسابات
تبدو هوية القوة الأوروبية المحتملة موضع نقاش سياسي، خصوصاً بشأن توزيع الأدوار القيادية بين الدول المشاركة.
وتشير المعطيات المطروحة إلى تحفظ أميركي وإسرائيلي على منح فرنسا وإسبانيا أدواراً قيادية، مع تفضيل إيطاليا للقيادة وإعطاء ألمانيا وزناً أكبر.
لكن لا توجد مؤشرات معلنة على استبعاد باريس أو مدريد من المشاركة، إذ تشارك الدول الأربع، فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، في آليات التعاون العسكري الداعمة للجيش اللبناني.
وبالتالي، يبدو الخلاف في هذه المرحلة مرتبطاً بطبيعة القيادة والصلاحيات أكثر من كونه قراراً نهائياً بشأن عضوية أي دولة.
استعدادات أمنية
وفي موازاة التحركات السياسية، تتزايد المؤشرات على استعداد إيطالي لتقييم طبيعة البيئة الأمنية التي قد تعمل فيها قوة أوروبية مستقبلية، بما في ذلك الجغرافيا والتحديات الميدانية جنوب الليطاني.
وتعكس هذه الاستعدادات أن النقاش لم يعد محصوراً في فكرة تشكيل القوة، بل بدأ يتناول طبيعة انتشارها والمهام التي يمكن أن تضطلع بها والآليات التي ستربطها بالجيش اللبناني.
مهمة مختلفة
ويرى خبراء أن البحث عن بديل لـ«اليونيفيل» يعكس انتقال الملف اللبناني من نموذج حفظ السلام التقليدي إلى ترتيبات أمنية مرتبطة بصورة أكبر بالتفاهمات بين لبنان وإسرائيل.
ويشيروا إلى أن القوة الجديدة، إذا تشكلت، قد لا تكون نسخة مصغرة من «اليونيفيل»، بل قوة ذات مهام محددة، تشمل مراقبة الخط الأزرق ودعم الجيش اللبناني والتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية جنوب الليطاني.
ويعتبر الخبراء أن إيطاليا تبدو مرشحة منطقية للقيادة بسبب خبرتها الطويلة في لبنان وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، بينما يمكن أن يضيف الدور الألماني ثقلاً سياسياً ومالياً إلى القوة المحتملة.
التفويض أولاً
ويبقى نجاح أي قوة أوروبية جديدة مرتبطاً بعدة شروط، أبرزها وجود تفويض قانوني واضح، وقبول لبناني داخلي، وتحديد دقيق للصلاحيات والعلاقة مع الجيش اللبناني وآليات المراقبة المرتبطة بأي تفاهم مع إسرائيل.
الجنوب أمام مرحلة جديدة
مع اقتراب نهاية مهمة «اليونيفيل»، يتحول مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان إلى أحد الملفات الأكثر حساسية على طاولة بيروت وشركائها الدوليين.
وبينما تتقدم إيطاليا إلى واجهة الخيارات المطروحة، تبدو المعركة الحقيقية مرتبطة بتحديد شكل القوة الجديدة، وحجمها، وتفويضها، وحدود دورها، وما إذا كانت ستشكل انتقالاً منظماً من مهمة أممية استمرت لعقود إلى ترتيبات أمنية أوروبية جديدة في جنوب لبنان.