استيقظ سكان القرى المحيطة ببحيرة نيوس في الكاميرون فجر 21 أغسطس/آب 1986 على مشهد غير مألوف؛ ضباب أبيض منخفض يغطي الأرض، ورائحة نفاذة في الهواء، قبل أن تتكشف واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية غرابة وخطورة.
كانت البحيرة البركانية الواقعة داخل فوهة بركان خامد تبدو مصدراً طبيعياً للمياه وحياة السكان منذ أجيال، لكنها أخفت في أعماقها كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون البركاني.
خلال تلك الليلة، انطلق الغاز من مياه البحيرة وانتشر على المناطق المحيطة، فحجب الأكسجين من الهواء في طبقات قريبة من سطح الأرض، وأدى إلى اختناق 1746 شخصاً ونفوق آلاف الحيوانات.
ضباب كثيف يسبق الكارثة
سبقت الانبعاثات الكبيرة أصوات غريبة سمعها السكان مساء اليوم السابق، وصفها بعضهم بأنها تشبه انفجاراً، بينما ربطها آخرون بهدير زلزال.
بعد ذلك ظهرت سحابة كثيفة فوق البحيرة وبدأت بالتحرك ببطء نحو المناطق المنخفضة المحيطة بها.
وتحدث ناجون عن روائح غير مألوفة في الهواء، فيما وصف بعضهم الرائحة بأنها تشبه البيض الفاسد أو البارود.
ونُسبت إلى إحدى الناجيات، ماري نكبوينغ، شهادة وصفت فيها استيقاظها على رائحة غريبة، قبل أن ترى ضباباً أبيض يتحرك بمحاذاة الأرض من نافذتها.
موت بلا إنذار
مع بزوغ الفجر، ظهرت آثار الكارثة في القرى المحيطة.
عُثر على أشخاص فارقوا الحياة داخل منازلهم وفي الطرق والحقول وأماكن العمل، بينما نفقت أعداد كبيرة من الأبقار والماعز والطيور.
ولم تظهر في كثير من المواقع علامات على حدوث فوضى أو اشتباك، إذ وصل الغاز إلى السكان أثناء نومهم أو وجودهم في أماكنهم المعتادة.
ووصف المدرس المحلي جوزيف نكوين مشاهدته للجثث في القرية، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص كانوا في أماكنهم أمام الطعام، فيما نفقت الحيوانات أيضاً.
امتدت آثار الغاز إلى مناطق تقع ضمن نطاق يقارب 25 كيلومتراً من البحيرة، وتسببت في نزوح سكان قرى بأكملها.
وكان الأشخاص الموجودون في المناطق المرتفعة أكثر قدرة على النجاة، إلى جانب من تمكنوا من الابتعاد عن مسار السحابة الغازية.
الغاز المتراكم في أعماق البحيرة
كشفت التحقيقات العلمية أن مياه نيوس كانت تحتوي على تركيزات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الأعماق نتيجة النشاط البركاني.
كان الغاز يتجمع تحت ضغط المياه في قاع البحيرة، التي يصل عمقها إلى أكثر من 200 متر.
مع حدوث الاضطراب الذي أدى إلى تحرر الغاز، صعدت كميات كبيرة منه إلى السطح ثم انتشرت فوق المناطق المحيطة.
وبما أن ثاني أكسيد الكربون أثقل من الهواء، تحركت السحابة بالقرب من سطح الأرض ودخلت المناطق المنخفضة، ما أدى إلى انخفاض نسبة الأكسجين إلى مستويات خطرة.
بعد الحادثة، انخفض مستوى مياه البحيرة بنحو متر، فيما سقطت أشجار على الشاطئ.
كما تغير لون المياه من الأزرق المعتاد إلى الأحمر نتيجة صعود مياه غنية بالحديد من الأعماق واختلاطها بالمياه السطحية.
نيوس ليست الحالة الوحيدة
أثارت الكارثة اهتماماً واسعاً لدى العلماء بسبب احتمال حدوث ظاهرة مشابهة في بحيرات أخرى تحتوي على غازات مذابة بكميات كبيرة.
تُذكر بحيرة كيفو الواقعة على الحدود بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن أبرز المواقع التي تخضع للدراسة، إلى جانب بحيرات ومسطحات مائية أخرى في مناطق بركانية حول العالم.
من بين المواقع التي أُشير إليها بحيرات قريبة من جبل ماموث في كاليفورنيا، وبحيرة ماشو في اليابان، ومواقع أخرى في فرنسا ومنطقة البحر الأسود.
أنابيب لمنع تكرار المأساة
دفعت الكارثة السلطات والعلماء إلى البحث عن وسيلة تمنع تراكم ثاني أكسيد الكربون داخل البحيرة.
في عام 2001، رُكب أول أنبوب دائم لتفريغ الغاز من مياه نيوس، ثم أضيف أنبوبان آخران عام 2011.
وتقوم هذه المنظومة على سحب المياه المحملة بالغاز من الأعماق إلى السطح، بما يسمح بتحرير ثاني أكسيد الكربون تدريجياً بدلاً من تراكمه حتى يصل إلى مستويات خطرة.
اتُخذت إجراءات مشابهة في بحيرة مونون بالكاميرون عام 2003، بعدما شهدت البحيرة انبعاثاً للغاز عام 1984 أسفر عن وفاة 37 شخصاً.
وتتضمن إجراءات الحماية أنظمة لتصريف الغاز وأجهزة لمتابعة مستويات ثاني أكسيد الكربون داخل المياه.
مراقبة مستمرة
تخضع بحيرة نيوس حالياً لمراقبة علمية مستمرة، فيما يعمل نظام تفريغ الغاز بصورة منتظمة للحد من تراكمه في الأعماق.
تبقى كارثة أغسطس 1986 واحدة من أبرز الأمثلة على المخاطر التي قد تنتج عن تراكم الغازات البركانية داخل البحيرات، خصوصاً عندما تتحرر كميات كبيرة منها بصورة مفاجئة.
وفي غضون ساعات، تحولت بحيرة ارتبطت بحياة سكان المنطقة إلى مصدر خطر غير مرئي، قبل أن تكشف الأبحاث العلمية لاحقاً الآلية التي وقفت خلف المأساة والإجراءات اللازمة لتقليل احتمال تكرارها.