القوة الجوية تتعثر وواشنطن تبحث عن نهاية للحرب

2026.08.08 - 23:44
Facebook Share
طباعة

 بعد نحو ستة أشهر من المواجهة مع إيران، تواجه الإدارة الأمريكية معضلة تتجاوز مسألة القدرة على تنفيذ ضربات إضافية، وتتعلق بقدرة القوة العسكرية على إنتاج نتيجة سياسية يمكن للرئيس دونالد ترامب تقديمها باعتبارها انتصاراً واضحاً.

فبينما يواصل ترامب التلويح بخيارات تصعيدية، تشير مداولات داخل القيادة العسكرية الأمريكية إلى تنامي القلق من حدود القصف الجوي، وتراجع مخزونات بعض الذخائر، والمخاطر التي قد تترتب على توسيع نطاق الحرب دون ضمان تحقيق الأهداف المعلنة.

وبحسب مصادر مطلعة، أصبح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من أبرز المسؤولين الذين يدفعون باتجاه البحث عن مخرج سياسي، بعدما عرض على مسؤولين في الإدارة تقديرات تفيد بأن الخيارات العسكرية المتاحة قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا جرى توسيع العمليات دون تغيير في طبيعة الاستراتيجية.

 

اقرأ أيضا: كبار الجنرالات الأميركيين يدفعون نحو إنهاء المواجهة مع إيران

 

 

خلاف حول جدوى القصف

يتركز الخلاف داخل الإدارة، وفق المعطيات المتداولة، على مدى قدرة الضربات الجوية والبحرية على إجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة.

ويرى ترامب أن استمرار الضغط العسكري يمكن أن يدفع إيران إلى قبول اتفاق بالشروط الأمريكية، في حين يرى كين ومسؤولون آخرون أن القصف وحده يواجه حدوداً واضحة عندما تكون الأهداف السياسية أكبر من قدرة العمليات العسكرية على تحقيقها.

وكان كين قد قال أمام مشرعين إن للقوة الجوية حدوداً، في إشارة إلى الفجوة بين تدمير أهداف عسكرية محددة وبين إجبار دولة على تغيير سياساتها أو التخلي عن قدرات استراتيجية.

وفي هذا السياق، طلب ضابط في جهاز الاستخبارات التابع للقيادة المركزية الأمريكية من محللين عسكريين تقديم أفكار جديدة وغير تقليدية للضغط على إيران، في مؤشر على أن الخيارات التقليدية باتت تحقق عوائد محدودة.

 

استنزاف المخزونات يرفع كلفة التصعيد

وتتزامن هذه المراجعة مع ضغوط متزايدة على مخزونات الأسلحة الأمريكية، خصوصاً الصواريخ الاعتراضية والذخائر المستخدمة في حماية القوات والمنشآت الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تقرير صدر أواخر تموز، أن مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية تراجع من نحو 2330 صاروخاً قبل الحرب إلى نطاق يتراوح بين 759 و827، بينما انخفض مخزون صواريخ ثاد من 452 إلى ما بين 234 و278 صاروخاً.

ولا تقتصر تداعيات هذا الاستنزاف على الولايات المتحدة، إذ أبدت دول خليجية مخاوف بشأن قدرة منظومات الدفاع الجوي المتاحة لديها على التعامل مع رد إيراني محتمل في حال توسع العمليات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل اعتماد واشنطن على دعم حلفائها في المنطقة، ما يعني أن زيادة وتيرة الهجمات لا ترفع فقط استهلاك الذخائر الهجومية، بل تزيد أيضاً الحاجة إلى موارد دفاعية لحماية القواعد والمنشآت الحيوية.

 

التصعيد الأكبر يحمل مخاطر إضافية

كان ترامب قد أبدى استعداداً في نهاية تموز للموافقة على عملية عسكرية واسعة، قبل أن تتراجع حدة الخطة عقب تحذيرات من حلفاء إقليميين بشأن احتمال رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة.

كما لوّح الرئيس الأمريكي باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، لكن مثل هذه الخطوة قد لا تحقق الهدف المطلوب، وقد تدفع طهران في المقابل إلى استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، بما يوسع نطاق الحرب ويزيد الضغط على أسواق الطاقة العالمية.

لهذا السبب، يبدو أن بعض المسؤولين الأمريكيين يبحثون عن صيغة تسمح لترامب بإعلان نتيجة سياسية يمكن تقديمها داخلياً باعتبارها مكسباً، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام مسار تفاوضي يتعلق خصوصاً بأمن الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز.

 

خطر التحول إلى حرب طويلة

تتجاوز المعضلة الحالية مسألة الذخائر، لتصل إلى طبيعة الأهداف التي وضعتها واشنطن للحرب. فالعمليات الجوية تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت والبنية التحتية، لكنها لا تضمن وحدها القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية أو تغيير بنية النظام السياسي.

وتشير تجارب الحروب الأمريكية السابقة إلى صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية دائمة عندما تكون الأهداف واسعة. فحرب الخليج عام 1991 ارتبطت بهدف عسكري محدد تمثل في إخراج القوات العراقية من الكويت، بينما اتسعت أهداف حرب العراق عام 2003 وحرب أفغانستان إلى إعادة تشكيل أنظمة ومجتمعات، وانتهتا بمسارات أكثر تعقيداً واستنزافاً.

ويطلق باحثون على هذا النمط وصف «وهم الحرب القصيرة»، أي افتراض أن التفوق العسكري والتقني يمكن أن يحسم صراعاً معقداً خلال فترة محدودة، قبل أن تظهر قدرة الطرف الآخر على التكيف والاستمرار.

 

البحث عن نهاية قابلة للتسويق

وتزداد صعوبة الموقف الأمريكي مع رفض ترامب إرسال قوات برية إلى إيران، ما يحصر الخيارات الرئيسية في الضربات الجوية والبحرية والضغط الاقتصادي، وهي أدوات يمكنها إضعاف الخصم لكنها لا توفر بالضرورة قدرة مباشرة على فرض تغيير سياسي شامل.

في المقابل، قد يؤدي استمرار الحرب إلى تعزيز موقع المؤسسات العسكرية والأمنية داخل إيران، بدلاً من إضعافها، إذ يوفر الصراع الممتد مبررات لتشديد الإجراءات الأمنية وتوسيع نفوذ المؤسسات المرتبطة بالدفاع.

وبذلك، لم تعد القضية بالنسبة إلى واشنطن مجرد تحديد عدد الأهداف التي يمكن ضربها، بل كيفية تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قبل أن تصبح كلفة الحرب أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها. وهذا يفسر انتقال النقاش داخل دوائر القرار الأمريكية تدريجياً من سؤال كيفية مواصلة القتال إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن إنهاء الحرب دون الظهور بمظهر الطرف الذي لم يحقق أهدافه؟

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2

اقرأ أيضاً