في الوقت الذي تبدي فيه واشنطن انفتاحاً على مواصلة الحوار مع طهران، تتمسك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياسة تقوم على تشديد العقوبات وتعزيز الضغوط الاقتصادية، باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية لانتزاع تنازلات في الملفات الخلافية. وبينما تستمر الاتصالات الدبلوماسية، يبقى التهديد باستخدام القوة العسكرية حاضراً كورقة ضغط إذا تعثرت المفاوضات.
أبلغت مصادر أمريكية مطلعة "إرم نيوز" أن البيت الأبيض يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فرصة محدودة زمنياً لإعادة رسم قواعد التفاوض، من خلال استثمار نتائج العقوبات والعمليات العسكرية بما يعزز الموقف الأمريكي في أي اتفاق مرتقب.
خلال تجمع انتخابي في ولاية ميشيغان، قال ترامب إن بلاده تجري "محادثات ودية للغاية" مع إيران، مضيفاً: "لا يمكنك رشوتهم.. عليك أن تهزمهم، وسنلحق بهم هزيمة ساحقة، لكن سنرى كيف ستؤول الأمور".
وفي تصريحات لموقع "أكسيوس"، أوضح أن المباحثات مع طهران "معمقة للغاية"، محذراً من ضيق الوقت المتاح للتوصل إلى تفاهم، بقوله: "إما أن تمضي الأمور سريعاً، أو ألا تتم على الإطلاق". ومع ذلك، أبدى تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم، مشيراً إلى أن هناك "فرصة جيدة لحدوث شيء ما".
كما أعلن عزمه سؤال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن معلومات تتعلق بتقديم صور أقمار صناعية لإيران، قائلاً: "سأسأل بوتين عن ذلك، وسنرى".
كشفت المصادر أن الإنهاك الاقتصادي بات يمثل الركيزة الأساسية للاستراتيجية الأمريكية، إذ لم تكن الضربات العسكرية الأخيرة هدفاً بحد ذاتها، وإنما أداة لتشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني عبر استهداف البنية اللوجستية المرتبطة بتصدير النفط وتأمين العملات الأجنبية.
تراهن واشنطن على أن استمرار التضخم، وتراجع قيمة الريال، وانخفاض العائدات النفطية سيدفع القيادة الإيرانية إلى إبداء مرونة أكبر في القضايا الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والنفوذ الإقليمي.
وترى الإدارة الأمريكية أن طهران تسعى من خلال أي مفاوضات إلى وقف العمليات العسكرية والحصول على موارد مالية تخفف أزمتها الاقتصادية، بينما تعتبر أن الوصول إلى الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات يمثلان الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة لإيران، وهو ما يفسر استمرار سياسة "الضغط الأقصى" بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً.
وفي ما يتعلق بتعليق الضربات العسكرية بعد 13 يوماً من العمليات، أفادت المصادر بأن القرار استند إلى مراجعات ميدانية شملت إعادة تنظيم القدرات العملياتية واستخدام الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي التابعة للقيادة المركزية الأمريكية، إلى جانب منح الوساطات فرصة محدودة لاختبار فرص التوصل إلى تفاهم.
وأكدت أن وقف العمليات لا يعني انتهاء الحملة العسكرية، وإنما يمثل مرحلة لإعادة تقييم النتائج، مع بقاء جميع الخيارات مطروحة إذا لم تحقق المفاوضات تقدماً ملموساً.
من جانبه، قال المحلل السياسي الأمريكي ستيفن ميلر، في تصريحات خاصة إن سياسة "الضغط الأقصى" دخلت مرحلة أكثر تشدداً بعد فرض عقوبات على أكثر من ألف فرد وسفينة وطائرة وشبكة مالية مرتبطة بإيران، شملت قطاعات النفط والبتروكيماويات والنقل البحري، إضافة إلى المؤسسات المالية وشبكات التمويل غير الرسمية.
ورأى أن هذه الإجراءات أسهمت في تراجع الإيرادات النفطية، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الضغوط على سعر صرف الريال، ما انعكس على قدرة الحكومة الإيرانية في تمويل الواردات والإنفاق العام.
كما أشار إلى أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن ارتفاع كلفة المواجهة سيجعل خيار التفاهم السياسي أقل تكلفة بالنسبة لطهران، وقد يفتح الباب أمام حلول مرحلية تتضمن تخفيف بعض القيود مقابل التزامات محددة تتعلق بالبرنامج النووي وأمن الملاحة.
تدعم هذا التوجه، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، حزم متتالية من العقوبات فرضتها واشنطن خلال عام 2026، واستهدفت قطاعات النفط والبتروكيماويات والنقل البحري، إلى جانب مئات السفن المرتبطة بـ"أسطول الظل"، فضلاً عن شبكات صرافة وشركات تعمل في تجارة الذهب والعملات المشفرة، بهدف الحد من قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات.
يرى مراقبون أن الولايات المتحدة تمضي في استراتيجية تجمع بين الضغوط الاقتصادية والردع العسكري والانخراط الدبلوماسي، سعياً إلى انتزاع اتفاق جديد بشروط أكثر تشدداً، بينما تراهن إيران على الصمود وكسب الوقت انتظاراً لتغير موازين القوى الإقليمية والدولية.