الكونغرس يخسر نفوذه مع اتساع صلاحيات الرئيس العسكرية

2026.07.27 - 08:04
Facebook Share
طباعة

 أعادت الحرب الأمريكية المستمرة على إيران فتح نقاش دستوري واسع داخل الولايات المتحدة بشأن الجهة التي تمتلك فعلياً سلطة اتخاذ قرار الحرب، بعدما استمرت العمليات العسكرية لأشهر من دون تفويض رسمي من الكونغرس، رغم أن الدستور يمنح هذه الصلاحية للسلطة التشريعية.

ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية كشف اتساع نفوذ السلطة التنفيذية في ملفات الأمن القومي، مقابل تراجع الدور العملي للكونغرس، الذي بات تأثيره محدوداً في القرارات المتعلقة بالحرب والسلم.

 

من النص الدستوري إلى الواقع السياسي

ينص الدستور الأمريكي على أن إعلان الحرب من اختصاص الكونغرس، بينما يتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة بصفته القائد الأعلى. إلا أن التطبيق العملي خلال العقود الماضية أظهر تحولاً تدريجياً منح البيت الأبيض مساحة أوسع لاتخاذ قرارات استخدام القوة العسكرية دون انتظار موافقة تشريعية.

ويشير الكاتب جيسون ويليك، في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، إلى أن الحرب على إيران استمرت رغم تصويت مجلسي النواب والشيوخ على إنهائها، ما يعكس اتساع الفجوة بين النصوص الدستورية والواقع السياسي الذي أصبحت فيه السلطة التنفيذية صاحبة القرار الأول في إدارة النزاعات العسكرية.

 

توسع مفهوم الدفاع عن النفس

يرى الكاتب أن جذور هذا التحول تعود إلى السنوات الأولى للجمهورية الأمريكية، حين بدأ الرؤساء في توسيع مفهوم الدفاع عن النفس لتبرير استخدام القوة خارج الأراضي الأمريكية.

ففي حين كان الهدف الأصلي للدستور منح الرئيس صلاحية التعامل مع الهجمات المفاجئة فقط، بقي قرار خوض الحروب من اختصاص الكونغرس، إلا أن هذا الفصل بين الحرب الدفاعية والهجومية تراجع تدريجياً مع تطور السياسة الخارجية الأمريكية.

وأصبح اللجوء إلى الضربات الوقائية أو العمليات الاستباقية يُقدم باعتباره جزءاً من حماية الأمن القومي، وهو ما منح الرؤساء هامشاً أوسع للتحرك العسكري دون الحاجة إلى إعلان حرب رسمي.

 

الحرب الباردة عززت صلاحيات الرئيس

شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تحولاً أكبر في توزيع الصلاحيات، بعدما أصبحت الولايات المتحدة قوة عسكرية عالمية تمتلك قواعد وانتشاراً واسعاً حول العالم.

ويرى الكاتب أن ظروف الحرب الباردة، إضافة إلى سباق التسلح النووي وظهور الصواريخ العابرة للقارات، دفعت الإدارات الأمريكية إلى تفضيل القرارات السريعة والسرية، وهو ما عزز تركيز صلاحيات الأمن القومي في البيت الأبيض.

كما شكلت الحرب الكورية محطة مفصلية، إذ خاضتها الولايات المتحدة دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس، وهو ما رسخ سابقة اعتمدت عليها إدارات أمريكية متعاقبة في التعامل مع النزاعات الخارجية.

 

محاولات لاستعادة الدور التشريعي

بعد حرب فيتنام، سعى الكونغرس إلى إعادة التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر إقرار قانون سلطات الحرب عام 1973، الذي يفرض قيوداً على استمرار العمليات العسكرية دون موافقة تشريعية.

لكن التطبيق العملي لهذا القانون بقي محدوداً، إذ احتفظ الرؤساء بقدرتهم على الالتفاف على بعض بنوده أو استخدام صلاحياتهم الدستورية لمواصلة العمليات العسكرية، وهو ما جعل تأثير القانون أقل من الطموحات التي رافقت إقراره.

ويستشهد الكاتب باستمرار الحرب على إيران رغم تصويت الكونغرس على إنهائها، باعتبار ذلك دليلاً على محدودية قدرة المؤسسة التشريعية على فرض إرادتها في هذا الملف.

 

حرب العراق غيرت حسابات الكونغرس

بحسب المقال، فإن حرب العراق مثلت مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطتين، بعدما أصبحت الموافقة على التدخلات العسكرية تحمل كلفة سياسية مرتفعة بالنسبة لأعضاء الكونغرس.

ودفع ذلك كثيراً من المشرعين إلى تجنب التصويت على تفويضات جديدة لاستخدام القوة، خشية تحمل المسؤولية السياسية عن نتائج أي حرب مستقبلية، الأمر الذي أدى عملياً إلى توسع مساحة التحرك أمام الإدارات الأمريكية.

ومنذ عام 2002 لم يصدر الكونغرس تفويضاً جديداً لخوض حرب، رغم استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في عدة مناطق، وهو ما عزز اعتماد الرؤساء على الصلاحيات التنفيذية في إدارة السياسة الخارجية.

 

توازن دستوري يواجه اختباراً مستمراً

ورغم احتفاظ الكونغرس نظرياً بسلطات مؤثرة، مثل التحكم بميزانية الدفاع أو ممارسة الرقابة على الإدارة، يرى الكاتب أن هذه الأدوات لم تعد كافية لإعادة التوازن الدستوري الذي أراده واضعو الدستور.

ويخلص إلى أن القرارات المتعلقة باستخدام القوة العسكرية أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بإرادة الرئيس، في ظل تراجع دور الكونغرس في منح التفويضات الرسمية، وهو تحول يثير نقاشاً متجدداً داخل الولايات المتحدة حول مستقبل توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الحكم، ومدى توافق الممارسة الحالية مع المبادئ الدستورية التي نظمت إعلان الحرب منذ تأسيس الدولة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 8 + 6