الدخل يتراجع ولبنان يواجه عقداً صعباً

2026.07.23 - 11:16
Facebook Share
طباعة

 أبقى البنك الدولي لبنان ضمن فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى للسنة المالية 2027، في مؤشر يعكس استمرار تراجع مستوى الدخل منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية نهاية عام 2019، وفشل الاقتصاد اللبناني حتى الآن في استعادة موقعه السابق ضمن فئة الدخل المتوسط الأعلى.

ويعتمد تصنيف البنك الدولي على نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، حيث بلغ هذا المؤشر في لبنان نحو 3560 دولاراً للفرد عام 2024، وهو مستوى يقل عن الحد الأدنى لفئة الدخل المتوسط الأعلى المحدد عند 4636 دولاراً للفرد.

ويحتاج لبنان، وفق هذه الأرقام، إلى زيادة تفوق 30% في نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي للعودة فقط إلى بداية الشريحة التي كان ينتمي إليها سابقاً، وذلك قبل احتساب التحديات المرتبطة بالنمو السكاني والتضخم وتغيرات أسعار الصرف.

ولا يعتمد البنك الدولي في حساباته على سعر الصرف المباشر، بل يستخدم ما يعرف بطريقة "أطلس"، وهي منهجية تعتمد متوسط سعر الصرف خلال ثلاث سنوات، مع تعديلات مرتبطة بالفروق بين التضخم المحلي والعالمي، بهدف إجراء مقارنات أكثر استقراراً بين الدول.

ويعكس استمرار لبنان ضمن فئة الدخل المتوسط الأدنى تراجع القدرة الاقتصادية للأسر، بعدما أدى انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع التضخم وتراجع النشاط الإنتاجي إلى انخفاض كبير في مستوى الدخل المقاس بالدولار.

ورغم أن متوسط دخل الفرد لا يعكس وحده توزيع الثروة داخل المجتمع، فإنه يبقى مؤشراً عاماً على حجم الاقتصاد والقدرة الشرائية ومستوى الوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والتعليم والصحة والطاقة والنقل.

 

فخ الدخل المتوسط

يرى البنك الدولي أن الانتقال من فئة الدخل المتوسط إلى مستويات أعلى لا يعتمد فقط على ارتفاع الدخل، بل يرتبط بقدرة الدول على تغيير نموذجها الاقتصادي.

وفي تقريره حول "فخ الدخل المتوسط"، يشير البنك الدولي إلى أن العديد من الدول تصل إلى مرحلة يتباطأ فيها النمو، بعدما تفقد المزايا التي اعتمدت عليها في البداية، مثل انخفاض تكلفة العمالة أو الاستثمار التقليدي.

ويصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستثمار فقط إلى اقتصاد قادر على استيعاب التكنولوجيا وتحسين الإنتاجية وتطوير قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى.

ووفق البنك الدولي، تمكنت 34 دولة فقط منذ عام 1990 من الانتقال من فئة الدخل المتوسط إلى فئة الدخل المرتفع، بينما بقيت أكثر من 100 دولة ضمن مستويات الدخل المتوسط حتى نهاية عام 2023.

ويعني ذلك أن الوصول إلى مستوى دخل متوسط لا يمثل نهاية الطريق، بل مرحلة تحتاج إلى سياسات اقتصادية مختلفة لتجنب الاستقرار الطويل في مستوى نمو منخفض.

 

مشكلة لبنان ليست الدخل فقط

تظهر حالة لبنان صعوبة الانتقال إلى مرحلة نمو جديدة، إذ لا يواجه الاقتصاد مشكلة انخفاض الدخل فقط، بل يعاني أيضاً من ضعف الإنتاج والاستثمار وتراجع المؤسسات والخدمات العامة.

ويشير مفهوم مراحل النمو الاقتصادي الذي يطرحه البنك الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل تحتاج بداية إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال، بينما تحتاج الدول المتوسطة الدخل إلى استيعاب التكنولوجيا والمعرفة وتحسين كفاءة الاقتصاد.

أما الدول التي تصل إلى مستويات أعلى، فتحتاج إلى تطوير الابتكار وإنتاج التكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء باستيرادها.

لكن لبنان يواجه تحديات في هذه المراحل جميعها، إذ تراجع الاستثمار الخاص والعام، انهار القطاع المصرفي الذي كان يمثل قناة رئيسية للتمويل، وتراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.

لذلك فإن العودة إلى مستويات دخل أعلى لا يمكن أن تتحقق فقط عبر تحسن مؤقت في الاستهلاك أو زيادة التحويلات الخارجية أو انتعاش قطاع السياحة، بل تحتاج إلى تغيير بنية الاقتصاد.

 

الإصلاح شرط للنمو

يشدد البنك الدولي على أن الدول التي نجحت في تجاوز فخ الدخل المتوسط لم تعتمد على حماية المصالح القائمة، بل عملت على تعزيز المنافسة ورفع الإنتاجية وتطوير التعليم والمهارات.

وينطبق هذا التحدي على لبنان، حيث يرى خبراء أن تجاوز الأزمة يحتاج إلى إصلاحات تشمل القطاع المالي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير التعليم، وتأمين الكهرباء والبنى التحتية، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية.

كما يتطلب الأمر الحد من الاقتصاد الريعي القائم على الخدمات والاستهلاك، والانتقال إلى نموذج قادر على خلق فرص عمل وزيادة دخل الفرد بشكل مستدام.

 

سنوات طويلة لاستعادة التصنيف السابق

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن عودة لبنان إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى تحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى في حال تحقيق معدلات نمو مستقرة.

فإذا نما نصيب الفرد من الدخل القومي بنسبة 2% سنوياً، فقد يحتاج لبنان إلى أكثر من عقد للوصول إلى العتبة المطلوبة، بينما قد تنخفض المدة إلى نحو تسع سنوات عند نمو يبلغ 3%، وإلى نحو ست سنوات عند تحقيق نمو يقارب 5% سنوياً.

لكن هذه الحسابات تبقى مرتبطة بعوامل عديدة، منها تغير معايير التصنيف التي يضعها البنك الدولي سنوياً، إضافة إلى قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو حقيقي وليس مجرد تحسن رقمي مؤقت.

وبالتالي، فإن خروج لبنان من فئة الدخل المتوسط الأدنى لا يرتبط فقط بارتفاع المؤشرات المالية، بل بإعادة بناء اقتصاد قادر على الإنتاج، وتحسين المؤسسات، واستعادة الثقة، وخلق مصادر دخل مستدامة للسكان.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 1 + 7