الخط الأصفر يتوسع ويعيد رسم خريطة غزة

2026.07.23 - 11:04
Facebook Share
طباعة

 لم يعد الخط الأصفر في قطاع غزة مجرد علامة ميدانية وضعت للفصل بين مواقع انتشار الجيش الإسرائيلي والمناطق التي كان يفترض الانسحاب منها ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، بل تحول تدريجياً إلى أداة تحدد مناطق الحركة والوصول، بعدما بدأت نقاطه تتقدم داخل مناطق جديدة من القطاع.

وكانت المكعبات الإسمنتية الصفراء التي وضعت على الأرض بهدف تحديد مواقع الانتشار العسكري المؤقت، يفترض أن تكون جزءاً من مرحلة انتقالية تسبق الانسحاب الكامل، إلا أن تحركها باتجاه الغرب في عدة مناطق أدى إلى إدخال أراضٍ زراعية ومناطق سكنية جديدة ضمن نطاق القيود المفروضة على السكان.

وتشير خرائط مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى اتساع المناطق المقيدة الوصول في غزة، حيث وصلت المساحات الواقعة ضمن نطاق القيود الأمنية إلى نحو 64.9% من مساحة القطاع حتى يونيو/حزيران 2026، مقارنة بنسبة أقل في مراحل سابقة، ما يعكس اتساع المناطق التي يصعب على الفلسطينيين الوصول إليها أو التحرك فيها بحرية.

 

دير البلح بين النزوح وفقدان الأراضي

في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، شهدت المناطق الشرقية خلال الفترة الأخيرة تقدماً جديداً للخط الأصفر، بعدما تحولت أراضٍ كانت خارج نطاقه إلى مناطق قريبة من الانتشار العسكري.

وبحسب سكان المنطقة، تقدمت آليات إسرائيلية خلال ساعات الليل من مواقع شرق المدينة، قبل نقل المكعبات الإسمنتية لمسافة تتراوح بين 300 و350 متراً باتجاه الغرب، الأمر الذي أدى إلى توسع المنطقة الخاضعة للقيود لتشمل مساحات من الأراضي الزراعية ومحيط عدد من المنازل.

وقال سكان محليون إن هذا التقدم طال أراضي تعود لعائلات فلسطينية عدة، وأدى إلى فقدان أصحابها إمكانية الوصول إليها، خصوصاً أن كثيراً منها كانت تمثل مصدر الدخل الأساسي للعائلات.

كما أدى اقتراب الخط من المنازل إلى وضع بعض السكان في مواجهة مباشرة مع منطقة عسكرية محظورة، حيث باتت بعض البيوت لا تفصلها عن الخط سوى مسافات قصيرة، ما دفع عدداً من العائلات إلى مغادرة المنطقة خشية الاستهداف.

 

حي الزيتون على تماس مباشر

ولم يقتصر تمدد الخط الأصفر على دير البلح، إذ تعيش عشرات العائلات في حي الزيتون شرق مدينة غزة بالقرب من هذا الخط منذ أشهر، وسط مخاوف من توسع المنطقة العازلة ودفع مزيد من السكان إلى النزوح.

وأفادت جهات أممية بأن أوامر إخلاء جديدة صدرت بحق سكان المناطق القريبة من الخط، ما أدى إلى مغادرة عشرات العائلات لمواقع كانت تؤوي نازحين، بعد تعرض بعض الخيام والمناطق المحيطة لأضرار نتيجة القصف.

وفي المناطق القريبة من الخط، يعيش سكان ظروفاً صعبة بسبب غياب الخدمات الأساسية وصعوبة وصول فرق الإنقاذ والإغاثة، خصوصاً أن قربهم من مناطق الانتشار العسكري يجعل الحركة محفوفة بالمخاطر.

ويقول سكان المنطقة إنهم يواجهون ضغطاً مستمراً للمغادرة، لكن غياب البدائل المناسبة يدفع كثيرين إلى البقاء رغم المخاطر اليومية.

 

شمال غزة.. تغيير ملامح الأرض

أما في شمال القطاع، فلم يعد تأثير الخط الأصفر مقتصراً على تغيير موقع المكعبات، بل ترافق مع عمليات واسعة لتغيير شكل المناطق المحيطة به.

وشملت هذه العمليات إزالة مبانٍ وتسوية أراضٍ وإنشاء سواتر ترابية ومواقع مراقبة، ما أدى إلى تحويل مناطق واسعة إلى مساحات مكشوفة تخضع لمراقبة عسكرية مباشرة.

ويقول سكان من شمال غزة إن الخط تقدم في بعض المناطق لمسافات كبيرة مقارنة بالمواقع التي كان عليها عند بداية تطبيق وقف إطلاق النار، مشيرين إلى أن عمليات التجريف والهدم المستمرة أدت إلى اختفاء أجزاء واسعة من الأحياء القريبة منه.

كما تحدث سكان عن استخدام طائرات مسيرة لتنفيذ عمليات استهداف وتفجير داخل بعض المنازل القريبة من الخط، إضافة إلى استمرار حركة الآليات العسكرية في المنطقة.

 

من إجراء ميداني إلى واقع سياسي

يرى مراقبون أن توسع الخط الأصفر لا يرتبط فقط بترتيبات عسكرية مؤقتة، بل يعكس تحولاً في شكل السيطرة على الأرض داخل قطاع غزة.

ويشير محللون إلى أن استمرار توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية قد يؤدي إلى خلق واقع جديد يسبق أي ترتيبات سياسية نهائية، خصوصاً مع استمرار وجود مواقع عسكرية وتحركات تمنع السكان من العودة إلى مناطق واسعة.

ويعتبر هؤلاء أن تثبيت هذه الحدود الميدانية قد يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر تعقيداً، بسبب تغير الواقع الجغرافي والديمغرافي في المناطق المحيطة بها.

 

أزمة إنسانية تتوسع

ولا يقتصر تأثير تمدد الخط الأصفر على الجانب الأمني، إذ انعكس بشكل مباشر على قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات.

وتقول بلدية غزة إن توسع المناطق المقيدة الوصول أدى إلى صعوبة وصول الطواقم إلى أحياء واسعة، بينها مناطق شرقية من المدينة تعرضت لدمار كبير في البنية التحتية والمرافق الأساسية.

وأدى ذلك إلى تعطيل أعمال الصيانة وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى منشآت حيوية تخدم مئات آلاف السكان.

كما تسبب تجمع أعداد كبيرة من النازحين في مناطق محدودة المساحة بضغط إضافي على الخدمات، خصوصاً مع تراجع القدرة على جمع النفايات وتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي.

 

ضحايا قرب الخط الأصفر

وبالتزامن مع استمرار تمدد الخط، وثقت جهات أممية سقوط عشرات الفلسطينيين قرب المناطق المحاذية له خلال الفترة الأخيرة.

وخلال أسبوع واحد فقط، تم تسجيل مقتل 23 فلسطينياً قرب الخط الأصفر، فيما تشير بيانات أممية إلى أن نسبة كبيرة من الضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار سقطوا في المناطق القريبة من هذا الخط.

وبينما تتغير الخرائط على الأرض، يتحول الخط الأصفر من علامة ميدانية مؤقتة إلى عامل يفرض واقعاً جديداً على سكان غزة، عبر توسيع مناطق العزل وتقليص المساحات المتاحة للحركة والحياة اليومية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 6 + 2