رغم توقف العمليات العسكرية وإعلان وقف إطلاق النار، لا تزال تداعيات الحرب ترسم ملامح الحياة اليومية لمئات العائلات اللبنانية التي لم تتمكن من العودة إلى منازلها، بعدما حال الدمار الواسع واستمرار المخاوف الأمنية دون إنهاء رحلة النزوح. وفي ظل تباطؤ إعادة الإعمار وتراجع المساعدات الإنسانية، تحولت مراكز الإيواء في بيروت إلى ملاذ دائم لعدد من الأسر التي ما زالت تنتظر ظروفًا تسمح لها بالعودة.
أغلقت غالبية مراكز الإيواء في مختلف المناطق اللبنانية عقب عودة آلاف النازحين إلى قراهم وبلداتهم، إلا أن عدداً منها لا يزال يستقبل عشرات العائلات التي فقدت مساكنها أو تعذر عليها الرجوع بسبب حجم الدمار أو استمرار الأوضاع الأمنية غير المستقرة.
تعد مجمعات المدارس في بئر حسن، ومدينة كميل شمعون الرياضية، ومعهد بئر حسن الفني أبرز مراكز الإيواء التي لا تزال تعمل حتى الآن، ويقيم في كل منها ما لا يقل عن ثلاثين عائلة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أن تعذر عليها الالتحاق بمناطقها الأصلية.
ترتبط أسباب استمرار الإقامة في هذه المراكز بتفاوت الأوضاع بين المناطق المتضررة، إذ تعرضت قرى حدودية وأحياء سكنية لتدمير واسع طال المنازل والبنية التحتية، فيما لا تزال بعض البلدات الواقعة ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر" تواجه أوضاعاً أمنية تحول دون عودة سكانها بصورة كاملة.
يفرض هذا الواقع على العائلات مواصلة الإقامة داخل مراكز الإيواء، في ظل غياب البدائل السكنية، وتأخر مشاريع إعادة الإعمار، وعدم توفر الضمانات اللازمة لاستئناف الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.
تراجع حجم المساعدات الإنسانية بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما انخفض الدعم الذي كانت تقدمه الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب تقلص المساعدات الرسمية، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية للعائلات المقيمة في المراكز.
أفادت الجهات المشرفة على مراكز الإيواء بأن بعض المواقع لم تتلق أي مساعدات منذ نحو شهرين، في وقت ما تزال فيه الأسر بحاجة إلى المواد الغذائية، والمستلزمات الأساسية، والخدمات الصحية، مع استمرار إقامتها في المدارس والمنشآت العامة.
تعتمد غالبية العائلات المقيمة في المراكز على المساعدات لتأمين احتياجاتها اليومية، بعدما فقد كثير من أفرادها مصادر دخلهم نتيجة الحرب، بينما حالت الأضرار الواسعة التي لحقت بمنازلهم دون استئناف حياتهم الطبيعية.
يبرز ملف إعادة الإعمار بوصفه التحدي الأكبر أمام إنهاء أزمة النزوح، إذ تحتاج آلاف الوحدات السكنية إلى إعادة بناء أو تأهيل، إلى جانب إعادة شبكات الكهرباء والمياه والطرق والخدمات الأساسية، وهو ما يتطلب وقتًا وإمكانات مالية كبيرة.
تفاقم بطء تنفيذ مشاريع الإعمار من حالة عدم اليقين لدى العائلات النازحة، في ظل غياب جدول زمني واضح لعودتها إلى مناطقها، واستمرار اعتمادها على مراكز الإيواء كمكان إقامة مؤقت طال أمده.
يعكس استمرار وجود هذه العائلات داخل مراكز الإيواء حجم التحديات التي خلفتها الحرب، إذ لم يعد النزوح مرتبطًا فقط بتوقف المعارك، بل أصبح مرهونًا بإزالة آثار الدمار، وتأمين مقومات الحياة الأساسية، وتوفير بيئة آمنة تسمح بعودة مستقرة إلى القرى والأحياء المتضررة.