بحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره اللبناني جوزاف عون، خلال لقائهما في البيت الأبيض، مسار التسوية الأمنية بين لبنان وإسرائيل، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في أول قمة تجمع رئيسي البلدين منذ نحو عقدين، وسط مؤشرات على أن الملفات الأكثر حساسية أُرجئت إلى الاجتماعات المغلقة بعيدًا عن عدسات الإعلام.
كشفت قراءات وتحليلات أعقبت القمة أن إدارة اللقاء اعتمدت الفصل بين الرسائل العلنية والمباحثات المغلقة، بهدف تجنب إثارة ملفات قد تنعكس على التوازنات السياسية داخل لبنان، مع التركيز إعلاميًا على القضايا التي تحظى بتوافق بين الجانبين.
برز خلال القمة حديث ترامب عن دور محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع في ملف حزب الله، في إشارة اعتبرها مراقبون تحولًا في المقاربة الأميركية تجاه الدور السوري في ترتيبات المرحلة المقبلة.
وأوضح المستشار السابق في وزارة الدفاع الأميركية آدم كليمنتس أن انخراط دمشق قد يوفر غطاءً سياسيًا وأمنيًا للبنان، عبر تشديد الرقابة على الحدود ومنع استخدامها ممراً لنقل الأسلحة أو الإمدادات من إيران إلى حزب الله، بما يحد من العمق اللوجستي والإقليمي للحزب.
استندت الرؤية الأميركية، وفق الباحث في المجلس الأميركي للسياسة الخارجية جيمس روبينز، إلى ما وصفه بـ"الخطة الصلبة"، التي تربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي بتعزيز قدرات الجيش اللبناني، تحت إشراف جهة دولية أو إقليمية تتولى التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية على الأرض.
ترمي هذه الآلية، بحسب روبينز، إلى تقليص النفوذ العسكري لحزب الله، مع الإبقاء على حضوره ضمن الإطار السياسي والمؤسسات الرسمية، بالتوازي مع الحد من النفوذ الإيراني في لبنان دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
تناولت المناقشات أيضًا مقترح هدنة تمتد 10 أيام بدلًا من الطروحات السابقة التي تحدثت عن فترة تصل إلى 90 يومًا، باعتبارها مرحلة انتقالية لاختبار التزام الأطراف بخفض التصعيد وضبط خطوط التماس.
ارتبطت هذه المقاربة، وفق تقديرات طُرحت خلال النقاشات، بجهود أوسع تستهدف حماية الممرات البحرية وتقليص التوتر في الساحل، بما يدفع نحو تفاهمات تحد من تهديد الملاحة.
ترامب تجنب الخوض علنًا في التفاصيل التنفيذية، مفضلًا مناقشتها خلال الجلسات المغلقة مع عون، لتجنب فرض ضغوط سياسية على القيادة اللبنانية.
الجانبين تعمدا التركيز على القضايا المشتركة، مع استبعاد الملفات الخلافية، مثل اتفاقات إبراهيم، للحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي.
تصدرت آلية تنفيذ "الخطة الصلبة" جانبًا رئيسيًا من المحادثات، إذ شملت مناقشات حول دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في تسهيل الاتصالات الداخلية، وآليات التحقق من تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى متابعة حادثة إطلاق النار الإسرائيلية قرب زوطر الشرقية أثناء انتشار الجيش اللبناني.
شملت المباحثات كذلك جدول الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ودور قوات اليونيفيل، وسبل تعزيز قدرات الجيش اللبناني لتمكينه من بسط سيطرته على المناطق الجنوبية، إلى جانب انعكاسات هذه الترتيبات على التوازنات السياسية داخل البلاد.
قال ترامب إن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى رغبة في المساهمة بمعالجة ملف حزب الله، معتبرًا أن هذا الدور قد يكون مؤثرًا في إنجاح التفاهمات الأمنية.
سبق القمة لقاء جمع عون بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، دعا خلاله الرئيس اللبناني واشنطن إلى الضغط على إسرائيل لبدء الانسحاب من جنوب لبنان، تنفيذًا لاتفاق 26 يونيو/حزيران، الذي ينص على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية مقابل ترتيبات أمنية تشمل حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
تزامن اللقاء مع بدء انتشار الجيش اللبناني في مناطق انسحبت منها القوات الإسرائيلية جنوب البلاد، في أول اختبار عملي للاتفاق، وسط ترقب لما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام مراحل جديدة من الانسحاب، أم ستظل مرتبطة بتفاهمات أمنية وسياسية أكثر تعقيدًا.
تعكس مخرجات القمة، وفق القراءات المطروحة، مسارًا أميركيًا يقوم على الجمع بين الضغط السياسي والترتيبات الأمنية، مع ربط أي تقدم ميداني في الجنوب اللبناني بتنفيذ التزامات متبادلة، في وقت لا تزال فيه ملفات الانسحاب الكامل، وسلاح حزب الله، والدور السوري، خاضعة لمفاوضات لم تُحسم تفاصيلها بعد.