دخلت الضربات الأمريكية ضد إيران مرحلة جديدة مع اتساع نطاق الأهداف لتشمل منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية، بعدما انحصرت في الأيام الأولى بالمنشآت العسكرية ومنصات إطلاق الصواريخ ومستودعاتها. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تغيرًا في طبيعة العمليات العسكرية، ويثير مخاوف من انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعًا.
وشهدت ليلة الجمعة سلسلة غارات استهدفت ستة جسور في محافظة هرمزغان، إلى جانب محطة ربط السكك الحديدية في مدينة بندر عباس، كما طالت الهجمات مطار إيرانشهر في محافظة سيستان وبلوشستان، وبرج المراقبة البحرية في مدينة تشابهار الذي تعرض لقصف أدى إلى تدميره بالكامل، إضافة إلى استهداف خطوط نقل الكهرباء ومنظومات الرادار والمراقبة المنتشرة على الساحل الإيراني.
واشنطن تعتمد بنك أهداف أوسع
تشير معطيات صادرة عن الإدارة الأمريكية إلى أن العمليات العسكرية الحالية تندرج ضمن حملة مفتوحة لا ترتبط بسقف زمني محدد، مع توقع استمرار التصعيد خلال الفترة المقبلة. كما كشفت وزارة الدفاع الأمريكية خلال فترة الهدنة السابقة عن إعداد قائمة أهداف جديدة استندت إلى معلومات استخباراتية محدثة، ما وسع دائرة المواقع المستهدفة داخل إيران.
ويعتبر محللون أن الضربات لم تعد تركز فقط على القدرات العسكرية المباشرة، وإنما تستهدف أيضًا المنشآت التي تضمن استمرار العمليات الإيرانية، خصوصًا في المناطق المطلة على مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
استهداف الساحل وخطوط الإمداد
تعرضت المحافظات الجنوبية الممتدة من خوزستان حتى سيستان وبلوشستان لهجمات متكررة، فيما كانت مدينة بندر عباس، التي تضم أهم الموانئ الإيرانية، من أكثر المناطق تعرضًا للقصف.
وتشير تقديرات إعلامية غربية إلى أن واشنطن ترى أن تقليص النفوذ الإيراني على الساحل الجنوبي يمثل خطوة أساسية لتغيير موازين السيطرة في محيط مضيق هرمز.
كما أدى استهداف الجسور في هرمزغان وشبكة السكك الحديدية في بندر عباس إلى تعطيل بعض مسارات الإمداد، وهو ما يرى خبراء عسكريون أنه يهدف إلى تقليص قدرة القوات الإيرانية على نقل المعدات والإمدادات نحو المناطق الساحلية.
ويرى مختصون في الدراسات الأمنية أن الجسور تمثل عنصرًا رئيسيًا في منظومة النقل العسكري الإيرانية، وأن تعطيلها ينعكس على حركة الإمداد والانتشار في جنوب البلاد.
استهداف منظومات المراقبة البحرية
امتدت الهجمات الأمريكية إلى مرافق بحرية استراتيجية، أبرزها برج المراقبة في ميناء شهيد كلانتري بمدينة تشابهار، والذي أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تدميره.
وبحسب واشنطن، كان البرج جزءًا من شبكة مراقبة بحرية استخدمت لمتابعة حركة السفن التجارية في خليج عمان ومحيط مضيق هرمز، بينما تؤكد إيران أن استهداف هذه المنشآت يندرج ضمن توسيع دائرة العمليات ضد البنية التحتية المدنية.
مؤشرات على احتمالات توسع العمليات
لم تقتصر الضربات على الجسور والموانئ، بل شملت أيضًا منشآت مرتبطة بالطاقة والمياه ومخازن المواد الغذائية، وهو ما دفع بعض الخبراء إلى الربط بين طبيعة الأهداف الحالية واحتمالات توسيع نطاق العمليات العسكرية مستقبلًا.
وتزامن ذلك مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية وجود أكثر من خمسين ألف جندي أمريكي في منطقة الشرق الأوسط ضمن حالة جاهزية قتالية، وهو ما عزز التكهنات بشأن احتمالات تنفيذ عمليات إضافية إذا تطورت المواجهة.
وفي المقابل، يرى عدد من الأكاديميين أن هذا السيناريو لا يزال غير مرجح في الوقت الراهن، رغم اتساع نطاق الضربات.
ضغوط متزايدة على إيران
تتوقع تقديرات دولية استمرار اتساع الهجمات الأمريكية بما قد يؤثر على الخدمات الأساسية والبنية التحتية التي يعتمد عليها ملايين الإيرانيين.
ودعت وزارة الطاقة الإيرانية المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء بعد تعرض شبكات نقل الطاقة في الجنوب للاستهداف، بهدف الحفاظ على استقرار الإمدادات.
ويرى محللون أن استهداف منشآت تستخدم لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد يهدف إلى زيادة الضغوط على طهران، ودفعها إلى مراجعة مواقفها المتعلقة بمضيق هرمز والعودة إلى مسار التفاوض.
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير أمريكية عن دراسة إدارة الرئيس دونالد ترامب خيارات عسكرية أوسع قد تتجاوز العمليات الحالية في محيط المضيق.
ويحذر باحثون من أن استهداف البنية التحتية المدنية قد لا يؤدي إلى إضعاف الموقف الداخلي الإيراني، بل قد يدفع إلى تعزيز التماسك الداخلي في مواجهة الهجمات الخارجية.
إيران تتوعد بالرد
في المقابل، تؤكد طهران أنها ترد على الضربات الأمريكية عبر استهداف بنى تحتية وقواعد عسكرية ومواقع رادار في المنطقة، مشيرة إلى أن خياراتها لا تقتصر على الضربات الجوية.
وأكد مسؤولون إيرانيون أن القوات المسلحة تدرس سيناريوهات مختلفة للتعامل مع أي تصعيد جديد، بما في ذلك مواجهة أي تحركات ميدانية محتملة.
وشدد النائب الأول للرئيس الإيراني على أن أي اعتداء يستهدف الأراضي الإيرانية سيقابل برد وصفه بالحاسم.
كما اعتبر مسؤولون وأعضاء في البرلمان الإيراني أن استهداف المنشآت الحيوية يمثل انتقالًا إلى مرحلة أكثر اتساعًا من المواجهة، بينما رأت وسائل إعلام إيرانية أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تقوم على إضعاف القدرات الإيرانية تدريجيًا وليس تحقيق حسم سريع.
ودعت تلك الوسائل إلى تغيير أسلوب الرد بما يفرض كلفة أكبر على الولايات المتحدة والدول التي تقدم لها تسهيلات عسكرية خلال العمليات.
وكانت واشنطن وطهران قد وقعتا قبل شهر مذكرة تفاهم تضمنت وقفًا لإطلاق النار، وبدأتا مفاوضات بوساطة باكستان وقطر، قبل أن تعود التوترات للتصاعد خلال الأيام الأخيرة على خلفية أزمة مضيق هرمز، حيث أعلنت إيران نيتها إغلاق المضيق، بينما كثفت الولايات المتحدة إجراءاتها العسكرية والبحرية في المنطقة.