تسعى الحكومة السورية إلى توسيع دائرة التعاون الدولي في ملف إعادة الإعمار، عبر بحث شراكات جديدة مع اليابان في مجالات التنمية الحضرية وتأهيل البنية التحتية، ضمن جهود دعم مرحلة التعافي بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب.
وبحث وفد حكومي سوري خلال زيارته إلى العاصمة اليابانية طوكيو، الخميس، فرص التعاون مع شركات ومؤسسات يابانية في قطاعات إعادة الإعمار والإسكان والخدمات العامة، وفق بيان صادر عن محافظة حلب.
تعاون مع الخبرة اليابانية
ترأس الوفد معاون وزير الأشغال العامة والإسكان عماد المصري، حيث شارك في فعالية نظمتها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي "جايكا" بالتعاون مع منظمة التجارة الخارجية اليابانية "جيترو"، لعرض أولويات سوريا في مرحلة إعادة تأهيل المدن والبنية التحتية.
واستعرض الوفد الاستراتيجية الوطنية للإسكان والتنمية الحضرية للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2035، إضافة إلى آليات التمويل المقترحة، بما فيها الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومجالات التعاون في إدارة النفايات والتدريب المهني ونقل الخبرات الفنية.
حلب ودمشق ضمن الأولويات
ناقش الجانبان خلال اجتماعات عقدت في مقر "جايكا" الاحتياجات الأساسية والمشروعات ذات الأولوية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، مع التركيز على عدد من المدن السورية، وفي مقدمتها حلب ودمشق.
كما اطّلع الوفد السوري خلال زيارة إلى مشروع "مبنى موري" في طوكيو على تجربة اليابان في التخطيط الحضري، وتطوير شبكات النقل، ودور القطاع الخاص في مشاريع إعادة تأهيل المناطق، إضافة إلى آليات تنظيم الملكيات الخاصة وإعادة توزيع الأراضي ضمن خطط التطوير العمراني.
دروس من تجربة هيروشيما
جاءت زيارة طوكيو بعد أيام من زيارة وفد حكومي سوري إلى مدينة هيروشيما مطلع تموز الجاري، بهدف الاطلاع على تجربة المدينة في إعادة البناء بعد الدمار الذي خلفه القصف الذري خلال الحرب العالمية الثانية.
واستمع الوفد إلى شرح قدمته بلدية هيروشيما حول مراحل إعادة الإعمار، والتخطيط العمراني، والتشريعات التي ساعدت المدينة على التحول إلى نموذج في التنمية وإعادة التأهيل الحضري.
تحديات ضخمة أمام إعادة الإعمار
يواجه ملف إعادة إعمار سوريا تحديات كبيرة، أبرزها حجم الأضرار الواسعة، وصعوبة تأمين التمويل، إضافة إلى الحاجة لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات الدولية، بعد سنوات طويلة من الحرب التي تسببت بخسائر بشرية ودمار واسع في المدن والمنشآت الحيوية.
وقدّر البنك الدولي في تقرير صدر عام 2025 بعنوان "تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا (2011-2024)" تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر المادية المباشرة نحو 108 مليارات دولار.
وأوضح التقرير أن الأضرار توزعت بين قطاعات رئيسية، بينها البنية التحتية بقيمة تقدر بـ52 مليار دولار، والمساكن بنحو 33 مليار دولار، والمباني غير السكنية بنحو 23 مليار دولار.
حجم الدمار يفرض شراكات دولية
أشار التقرير إلى أن نحو ثلث الأصول الإنتاجية الثابتة في سوريا تعرض لأضرار كبيرة، مع تركّز الجزء الأكبر من الدمار في محافظات حلب وريف دمشق وحمص.
وتتراوح تقديرات تكلفة إعادة الإعمار، وفق دراسات مختلفة، بين 140 و345 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز بأضعاف حجم الاقتصاد السوري الحالي، ما يجعل الاعتماد على الشراكات الدولية والاستثمارات الخارجية عاملًا أساسيًا في أي خطة لإعادة البناء.
ويرى خبراء أن الأرقام المعلنة، رغم ارتفاعها، قد لا تعكس كامل حجم الأضرار على الأرض، في ظل استمرار الحاجة إلى تقييمات ميدانية شاملة لمختلف القطاعات.
شراكة محتملة أمام اختبار التنفيذ
يمثل التقارب السوري الياباني خطوة باتجاه البحث عن خبرات دولية في إعادة الإعمار والتنمية، إلا أن تحويل هذه المبادرات إلى مشاريع فعلية سيبقى مرتبطًا بقدرة دمشق على توفير بيئة مناسبة للاستثمار، وتأمين التمويل، ووضع خطط طويلة الأمد لإعادة بناء المدن والخدمات الأساسية.