تتزايد التحذيرات داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأميركية من احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى صراع طويل مع إيران، رغم تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية بتجنب الحروب الخارجية وإنهاء النزاعات التي استنزفت واشنطن لعقود.
ترى صحيفة نيويورك تايمز أن مسار الأحداث الأخيرة يعكس ملامح ما تصفه بـ"الحرب الأبدية"، بعدما انهارت مذكرة التفاهم التي أوقفت المواجهات مؤقتًا، لتعود العمليات العسكرية بوتيرة متصاعدة بالتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، من دون تحقيق الأهداف الأميركية المعلنة، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي.
تشير الصحيفة إلى أن الإدارات الأميركية وقعت مرارًا فيما يعرف بـ"وهم الحرب القصيرة"، وهو الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على حسم المعارك بسرعة، قبل أن تتحول المواجهات إلى نزاعات طويلة تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
يقول أستاذ دراسات الحرب في كلية كينغز بلندن، لورانس فريدمان، إن القوى الكبرى غالبًا ما تفرط في الثقة بقدرتها العسكرية، بينما تقلل من قدرة الخصوم على الصمود والمناورة في الصراعات الممتدة.
يضيف فريدمان أن ترامب، على غرار ما حدث للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، وضع أهدافًا يصعب تحقيقها من دون خوض حرب طويلة، في وقت يرفض فيه إرسال قوات برية إلى إيران، معتمدًا بصورة أساسية على الضربات الجوية والبحرية، وهو ما يحد من فرص تحقيق حسم عسكري.
تستعيد الصحيفة تجربة حرب الخليج الأولى عام 1991، معتبرة أنها نجحت لأن أهدافها كانت محددة واقتصرت على إخراج القوات العراقية من الكويت، بينما تحولت حربا العراق وأفغانستان لاحقًا إلى محاولات لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية، وانتهتا من دون بلوغ النتائج التي سعت إليها واشنطن.
ترى مجلة نيوزويك أن استمرار المواجهة قد يصب في مصلحة الحرس الثوري الإيراني أكثر من الولايات المتحدة، لأنه يمنح المؤسسة العسكرية الإيرانية مبررات إضافية لتعزيز نفوذها السياسي والأمني داخل البلاد.
يقول الباحث في شؤون الأمن لدى كلية كينغز بلندن أندرياس كريغ إن الحروب الممتدة تعزز مكانة الحرس الثوري، لأنها تُبقي المجتمع في حالة تعبئة دائمة، وتوفر مبررات لتشديد القبضة الأمنية وإضعاف المعارضة الداخلية.
يؤكد كريغ أن إيران ما تزال تمتلك أدوات ضغط استراتيجية، أبرزها قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز والتأثير في أسواق النفط والطاقة العالمية، وهي أوراق تمنحها نفوذًا يفوق قدراتها العسكرية التقليدية.
يذهب عدد من المحللين إلى أن هذا النمط من الحروب غير المتكافئة يسمح لطهران بإلحاق خسائر اقتصادية كبيرة بخصومها، حتى في حال عدم قدرتها على مواجهة التفوق العسكري الأميركي بصورة مباشرة.
تجمع التحليلات على أن الضربات الجوية، مهما توسعت، لن تكون كافية لتحقيق الأهداف القصوى لواشنطن، إذ يمكنها إضعاف البنية التحتية العسكرية، لكنها لا تضمن إنهاء البرنامج الصاروخي الإيراني أو إسقاط النظام.
يعتبر كريغ أن القيادة الإيرانية تدرك حدود القوة الأميركية، وتراهن على أن واشنطن لن تتحمل كلفة حرب طويلة، سواء بسبب الخسائر العسكرية أو ارتفاع أسعار الطاقة أو الضغوط السياسية الداخلية.
تصف سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، مضيق هرمز بأنه أصبح مركز الأزمة، معتبرة أن مرحلة الملاحة الحرة الكاملة ربما انتهت، مع توقع زيادة الوجود العسكري الأميركي لحماية حركة السفن.
يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز والي نصر أن ميزان الصبر يميل لصالح إيران، لأن الصراع يرتبط بالنسبة إليها بأمنها القومي، بينما لا يمثل بالنسبة للولايات المتحدة قضية وجودية بالقدر نفسه، وهو ما يجعل طهران أكثر استعدادًا للاستمرار في المواجهة.
تشير التقديرات إلى أن أي مخرج سياسي سيحتاج إلى صيغة تسمح لكل طرف بإعلان تحقيق مكاسب أمام جمهوره الداخلي؛ إذ قد يسعى ترامب إلى تقديم أي اتفاق باعتباره نجاحًا في منع إيران من امتلاك سلاح نووي وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، بينما تحتاج طهران إلى تأكيد أن صمودها أجبر واشنطن على التراجع وحافظ على سيادتها.
تخلص التحليلات إلى أن غياب الثقة المتبادلة، وتباين الأهداف، والخلاف حول مستقبل مضيق هرمز، تجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة، بينما يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا استمرار المواجهة عبر جولات متعاقبة من العمليات العسكرية والمفاوضات، بما يهدد بتحولها إلى صراع طويل الأمد، خلافًا لما تعهد به ترامب قبل وصوله إلى البيت الأبيض.