أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملف الانتخابات الرئاسية لعام 2020 إلى واجهة الجدل السياسي، معلناً رفع السرية عن مجموعة من الوثائق الاستخباراتية التي قال إنها تكشف تدخلات أجنبية في العملية الانتخابية، ومجدداً اتهاماته للصين بالوقوف وراء عمليات اختراق استهدفت النظام الانتخابي الأميركي، ضمن مساعيه لإقرار قوانين انتخابية أكثر تشدداً قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
جاء إعلان ترمب خلال خطاب متلفز إلى الأمة، حدد فيه موعد نشر ما وصفه بـ"المعلومات الاستخباراتية الحاسمة"، معتبراً أنها تكشف ثغرات خطيرة في البنية التحتية لأنظمة التصويت الإلكتروني، متهماً إدارة الرئيس السابق جو بايدن بالتستر على هذه المعطيات وعدم التعامل معها بالشكل المطلوب.
أكد أن الوثائق تشير إلى أن الحكومة الأميركية كانت على علم مسبق بهشاشة أنظمة التصويت وإمكانية تعرضها للاختراق، مضيفاً أن تقييمات الاستخبارات تتحدث عن امتلاك كل من روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، إلى جانب جهات غير حكومية، قدرات تمكنها من استهداف البنية الانتخابية الأميركية.
قال ترمب إن الولايات المتحدة "لا يمكن أن تكون دولة عظيمة من دون انتخابات نزيهة"، معتبراً أن النظام الانتخابي الحالي "منهار بالكامل"، متعهداً بالعمل مع الولايات لإصلاحه واتخاذ إجراءات تمنع، بحسب تعبيره، تكرار أي تدخل أو تلاعب مستقبلاً.
خصص جانباً كبيراً من خطابه للحديث عن الصين، زاعماً أن الوثائق تكشف تنفيذ بكين "أكبر عملية اختراق وسرقة لبيانات الانتخابات في التاريخ"، موضحاً أن النشاط الصيني بدأ منذ منتصف عام 2018 واستهدف التأثير في انتخابات التجديد النصفي ثم الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
وأضاف أن الصين أنشأت وحدة خاصة لاستغلال بيانات الناخبين الأميركيين التي جرى الحصول عليها، واستخدامها في أنشطة وصفها بالتخريبية، كما اتهم عناصر داخل مؤسسات الاستخبارات الأميركية بالتواطؤ وإخفاء المعلومات المتعلقة بهذا الملف.
وأشار أيضاً إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي حصل عام 2020 على معلومات استخباراتية خام تحدثت عن محاولة صينية لتصنيع بطاقات اقتراع غير قانونية لصالح جو بايدن، كما زعم أن وثائق وكالة الاستخبارات المركزية أظهرت محاولات صينية لاستغلال علاقاتها مع شركات أميركية كبرى للتحريض ضده، إضافة إلى تمويل صحفيين أميركيين لإعداد تقارير سلبية تستهدف حملته الانتخابية.
رغم تركيزه على الصين، لم يوجه ترمب انتقادات مباشرة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ، واكتفى بالحديث عن سياسات الحزب الشيوعي الصيني، قائلاً إن تقارير استخباراتية تشير إلى أن الحزب تبنى منذ عام 2018 سياسة تقوم على دعم أي طرف يعارض استمراره في السلطة.
تحدث عن حصوله على اعتراف من مسؤولة في مكتب التحقيقات الفيدرالي بإدارة ما وصفه بـ"حكومة ظل" لمنع تسريب تقارير التدخل الصيني إلى وسائل الإعلام، كما قال إنه تلقى تأكيدات من مسؤولين كبار في أجهزة الاستخبارات بشأن صحة الوثائق التي تقرر رفع السرية عنها.
واتهم وزارة العدل في عهد بايدن بتعطيل التحقيق في طلبات تسجيل ناخبين مزورة اكتُشفت في مدينة موسكيغون بولاية ميشيغان قبل انتخابات 2020، مطالباً مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي بإعادة فتح التحقيق كاملاً وتوجيه اتهامات جنائية إلى المتورطين.
كشف أن تحقيقاً أجرته وزارة الأمن الداخلي رصد تسجيل نحو 278 ألف شخص من غير المواطنين بصورة غير قانونية للتصويت، متهماً ولايات ذات أغلبية ديمقراطية برفض مشاركة سجلات الناخبين لمنع الكشف عن أعداد المسجلين من غير المواطنين.
بالتزامن مع الخطاب، نشر البيت الأبيض موقعاً إلكترونياً يتضمن وثائق ومقتطفات من ملفات التحقيق وتحليلات استخباراتية ومراسلات مرتبطة بالملف، بينما رأى عدد من المحللين أن المواد المنشورة لا تقدم دليلاً مباشراً على تغيير نتائج الانتخابات أو التلاعب بأصوات الناخبين.
جدد الرئيس الأميركي دعوته إلى إقرار قانون "إنقاذ أميركا"، الذي يُلزم الناخبين بإثبات الجنسية الأميركية عبر وثائق مثل شهادة الميلاد أو جواز السفر، إضافة إلى الحد من التصويت عبر البريد وقصره على حالات المرض والإعاقة والخدمة العسكرية والسفر، معتبراً أن معارضة هذا القانون تصدر عن جهات تسعى إلى الإبقاء على ثغرات تسمح بالغش الانتخابي.
تواصل إدارة ترمب منذ عودتها إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 الدفع نحو تعديل قواعد التصويت، عبر تقليص التصويت البريدي وإقرار إصلاحات انتخابية، إلا أن المحاكم الفيدرالية أوقفت عدداً من هذه الإجراءات.
أعاد الخطاب إلى الأذهان تداعيات انتخابات 2020، التي أعقبتها أكثر من 60 دعوى قضائية لم تثبت وقوع تزوير يغير النتيجة، كما لم تؤد عمليات إعادة الفرز والتدقيق إلى تعديل نتائج الاقتراع. سبق ذلك اقتحام أنصار ترمب مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021 خلال جلسة المصادقة على نتائج الانتخابات.
وقوبلت تصريحات الرئيس الأميركي بانتقادات حادة من الحزب الديمقراطي، إذ اعتبر السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، أن الخطاب يمثل محاولة للتأثير في انتخابات التجديد النصفي، بينما وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز ترمب بأنه يروج لنظريات مؤامرة، معتبراً أن تصريحاته تهدف إلى صرف الأنظار عن الملفات الاقتصادية والسياسات الداخلية.
نفت الصين الاتهامات الموجهة إليها، وأكد متحدث باسم سفارتها في واشنطن أن بكين تلتزم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مشدداً على أن الانتخابات الأميركية يقررها الناخب الأميركي وحده، وأن بلاده "لم ولن تتدخل" في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
ولم تحظ تصريحات ترمب بتغطية موحدة من وسائل الإعلام الأميركية، إذ امتنعت شبكات CNN وABC وNBC عن بث الخطاب، بينما أوقفت قنوات أخرى النقل قبل نهايته، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي إلى مهاجمة بعض وسائل الإعلام واتهامها بالمشاركة في مؤامرة ضده، مطالباً بسحب تراخيص بثها.