مرحلة التنفيذ تبدأ
دخل "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة بعد اجتماعات روما التي عقدت برعاية أميركية، حيث ركزت المباحثات على وضع آليات عملية للانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات ميدانية، أبرزها إنشاء ما يعرف بـ"المناطق التجريبية" التي ستشكل اختباراً أولياً لآلية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
ويأتي هذا التطور وسط متابعة أميركية متزايدة، وترقب للقاء المرتقب بين الرئيس اللبناني جوزف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تتركز فيه الأنظار على قدرة الأطراف المعنية على تحويل الاتفاق إلى إجراءات قابلة للتنفيذ على الأرض.
خارطة طريق للجنوب
ويقوم "اتفاق الإطار" على مسار يهدف إلى معالجة ملف الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع تعزيز انتشار الدولة اللبنانية في المناطق الجنوبية التي لا تزال تشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً.
ويرتكز الاتفاق، وفق الرؤية المطروحة، على أربعة محاور أساسية؛ أولها إنهاء أسباب النزاع بين الطرفين، وثانيها تنفيذ خطوات متبادلة تشمل الانسحاب الإسرائيلي مقابل انتشار الجيش اللبناني وتأمين المناطق التي ينتشر فيها.
أما المحور الثالث فيتعلق بتعزيز سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، فيما يرتبط الرابع بحق كل طرف في الدفاع عن نفسه ضمن الأطر المتفق عليها، من دون تدخل أطراف مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
آلية التنفيذ والضمانات
ويرى متابعون للملف أن الاتفاق لا يفرض التزامات جديدة على لبنان بقدر ما يرتبط بتطبيق قرارات لبنانية سابقة تتعلق بحصر السلطة الأمنية والعسكرية بالدولة.
وتلعب الولايات المتحدة دور الوسيط والضامن لمتابعة تنفيذ البنود، خصوصاً في ما يتعلق بعملية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني والتحقق من إنجاز الإجراءات المطلوبة.
وفي هذا السياق، تمثل "المناطق التجريبية" مرحلة اختبار تهدف إلى تقييم قدرة الآلية الجديدة على العمل، بحيث تنسحب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتولي مسؤولية ضبط الأمن ومنع عودة أي مجموعات مسلحة إليها.
اختبار المناطق الأولى
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن نجاح المرحلة الأولى سيعتمد على قدرة الجيش اللبناني على الانتشار وإتمام عمليات المسح والتنظيف في المناطق المحددة، إضافة إلى وجود آلية واضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات.
وكان الجانب الأميركي قد رفض أن تتولى إسرائيل بشكل منفرد مهمة التحقق من هذه الإجراءات، مؤكداً أهمية وجود جهة محايدة ضمن إطار الإشراف على التنفيذ.
ويُفترض أن يؤدي نجاح هذه التجربة إلى الانتقال تدريجياً من منطقة إلى أخرى، وصولاً إلى تطبيق أوسع للاتفاق.
عقدة المنطقة الصفراء
وتبقى مسألة الانسحاب من المناطق التي تصفها إسرائيل بأنها "منطقة آمنة" أو "المنطقة الصفراء" من أكثر الملفات تعقيداً، إذ تربط إسرائيل هذه الخطوة باستكمال إجراءات مرتبطة بسلاح حزب الله.
في المقابل، تؤكد بيروت أن بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية يمثل التزاماً وطنياً وسياسياً، وأن أي ترتيبات أمنية يجب أن تراعي سيادة الدولة وحقوقها.
تحديات ما بعد التفاهم
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت اجتماعات روما، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط برسم الخرائط أو تحديد الجداول الزمنية، بل بقدرة الأطراف على تنفيذ التعهدات عملياً.
ويبرز ملف انتشار الجيش اللبناني وآليات ضبط المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية كعامل أساسي في نجاح الاتفاق أو تعثره.
ويرى مراقبون أن نجاح المرحلة الأولى قد يفتح الباب أمام تثبيت الاستقرار في الجنوب، لكنه لن يكون كافياً ما لم يمتد تطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة إلى مختلف المناطق اللبنانية.
فرصة واختبار للبنان
يمثل "اتفاق الإطار" فرصة للبنان لإعادة تثبيت دور مؤسسات الدولة وإنهاء أحد الملفات الأمنية الأكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه يضع السلطة اللبنانية أمام اختبار صعب في ترجمة التعهدات إلى خطوات عملية.
ويبقى نجاح المسار مرتبطاً بقدرة جميع الأطراف على الالتزام بالآليات المتفق عليها، وسط تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى تسوية طويلة الأمد أم إلى جولة جديدة من التوترات.