لم يعد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" مجرد خط فاصل بين مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة والمناطق التي يقيم فيها أكثر من مليوني فلسطيني، بل تحول إلى عنصر ميداني وسياسي رئيسي يفرض نفسه على الواقع اليومي في القطاع، وعلى مسار المفاوضات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
وخلال فترة زمنية قصيرة، شهد هذا الخط عمليات إزاحة متكررة باتجاه مناطق جديدة داخل القطاع، ما أدى إلى توسيع نطاق المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية أو التي يمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها، وسط استمرار عمليات إطلاق النار والهدم في المناطق القريبة منه.
حدود تتغير على الأرض
يمتد "الخط الأصفر" عبر مناطق واسعة من قطاع غزة، إذ يفصل مدينة رفح جنوباً عن بقية مناطق القطاع، ويقتطع أجزاء من شرق خان يونس، إضافة إلى مناطق في دير البلح ومخيمات البريج والمغازي وجحر الديك وسط القطاع.
كما يشمل مناطق شرق حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ويمتد باتجاه أحياء الشجاعية والتفاح وأجزاء من شرق جباليا، وصولاً إلى المناطق الشمالية التي تشمل بيت حانون وأجزاء واسعة من بيت لاهيا.
وخلال الأيام الماضية، شهدت مناطق عدة عمليات تغيير في مسار الخط، من بينها مناطق في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، بعد تحركات مماثلة في حي التفاح، إضافة إلى إزاحته غرباً في منطقة الزيتون باتجاه مناطق قريبة من شارع صلاح الدين.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن المساحات التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية أو ضمن نطاق السيطرة النارية باتت تشكل نسبة كبيرة من مساحة القطاع، البالغة نحو 365 كيلومتراً مربعاً.
توسع تدريجي بلا إعلان
أدى تحريك الخط بشكل متكرر إلى وصفه من قبل سكان غزة بأنه "حدود متحركة"، في إشارة إلى تغير مواقع الانتشار العسكري والمناطق المحظورة دون إعلان واضح عن تغييرات رسمية في خرائط السيطرة.
ويقول سكان من المناطق القريبة من الخط إن الجيش الإسرائيلي يعتمد على وجود عسكري مباشر في بعض النقاط، إلى جانب فرض سيطرة نارية على مناطق أوسع عبر مواقع مراقبة وآليات مزودة بأسلحة، ما يجعل الاقتراب من تلك المناطق محفوفاً بالمخاطر.
ويشير عدد من الأهالي إلى أن اقتراب الخط من مناطق سكنية أدى إلى زيادة المخاوف لدى العائلات التي تعيش قربه، خصوصاً مع استمرار عمليات إطلاق النار التي تطال المناطق المحيطة به.
خطر يلاحق السكان
يصف سكان المناطق القريبة من "الخط الأصفر" واقعهم بأنه حالة مستمرة من القلق، حيث باتت المسافة الفاصلة بين المنازل ومواقع الانتشار العسكري محدودة، ما يجعل أي حركة في المناطق المفتوحة محفوفة بالمخاطر.
ويؤكد بعض الأهالي أن تغير مواقع الخط أجبر عائلات على مغادرة منازلها أو تقليص تحركاتها، في ظل مخاوف من توسع المنطقة العازلة وامتدادها إلى مناطق مأهولة بالسكان.
عقدة جديدة في المفاوضات
لم يقتصر تأثير "الخط الأصفر" على الجانب الميداني، بل أصبح أحد أبرز الملفات الخلافية في مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.
وتتركز الخلافات حول مستقبل المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وآليات الانسحاب منها، إضافة إلى دور الجهات التي ستتولى إدارة قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة.
وتطرح إسرائيل إمكانية عمل اللجنة المكلفة بإدارة غزة داخل بعض المناطق التي تخضع لسيطرتها، خصوصاً في مدينة رفح، بينما ترى حماس أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من القطاع يتعارض مع بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
كما تؤكد الحركة استعدادها لتسليم إدارة المؤسسات المدنية في غزة إلى لجنة وطنية متفق عليها، لكنها تشدد على ضرورة أن تشمل صلاحيات هذه اللجنة جميع مناطق القطاع.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
يبقى مصير "الخط الأصفر" مرتبطاً بشكل مباشر بمسار المفاوضات السياسية والعسكرية، إذ إن أي اتفاق نهائي بشأن وقف إطلاق النار سيحتاج إلى معالجة ملف الانتشار والانسحاب وترتيبات السيطرة الأمنية.
وفي ظل استمرار الخلافات حول هذه النقاط، يتحول الخط المتغير على الأرض إلى أحد أبرز العوامل التي تحدد شكل المرحلة المقبلة في غزة، بين احتمالات تثبيت التهدئة أو استمرار حالة التصعيد وعدم الاستقرار.