أعاد تصاعد التوترات الإقليمية مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الجيوسياسي باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بعدما تحول مجدداً إلى ورقة ضغط تمتلكها إيران في مواجهة خصومها. ومع كل تصعيد عسكري أو سياسي، يعود الحديث عن احتمال تعطيل الملاحة في المضيق، وهو سيناريو ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ويدفع الدول المستوردة والمصدرة للنفط إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة تقلل من الاعتماد على هذا الممر الاستراتيجي.
ورغم تسارع المشاريع الهادفة إلى تنويع طرق نقل الطاقة والتجارة، فإن الخبراء يرون أن إنهاء هيمنة هرمز ما زال هدفاً بعيد المنال، نظراً لضخامة الكميات التي تعبره يومياً وصعوبة إيجاد بدائل قادرة على استيعابها بالكامل.
بدائل النفط تتوسع
شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً في تنفيذ مشاريع تهدف إلى تجاوز مضيق هرمز جزئياً في صادرات النفط، أبرزها خط الأنابيب السعودي "شرق–غرب" الذي ينقل الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تشغيلية تبلغ نحو خمسة ملايين برميل يومياً، مع خطط لرفعها إلى سبعة ملايين برميل.
كما يشكل خط "حبشان–الفجيرة" الإماراتي أحد أهم البدائل، إذ يربط حقول أبوظبي بميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان خارج نطاق المضيق، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً.
وفي الوقت نفسه، عاد الاهتمام بمشروعات إقليمية كانت مؤجلة، من بينها خط أنابيب يربط العراق بميناء العقبة الأردني، إلى جانب توسيع استخدام خط كركوك–جيهان التركي لتصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسط.
ورغم هذه المشاريع، تشير التقديرات إلى أن القدرة الاستيعابية الحالية لهذه المسارات لا تغطي سوى جزء من الكميات التي تمر عبر مضيق هرمز، ما يعني أن المضيق سيبقى محوراً أساسياً في تجارة الطاقة العالمية خلال المستقبل المنظور.
ثلاث مراحل للتحول
يرى مختصون أن تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، إذا استمرت التوترات الأمنية، سيمر عبر ثلاث مراحل رئيسية.
فعلى المدى القصير، خلال السنوات الثلاث المقبلة، ستعتمد الأسواق على توسيع استخدام خطوط الأنابيب القائمة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وهي إجراءات تخفف المخاطر لكنها لا تعوض كامل الطاقة الاستيعابية للمضيق.
أما خلال الفترة الممتدة بين ثلاث وسبع سنوات، فمن المتوقع أن تتسارع مشاريع إنشاء خطوط جديدة باتجاه البحر الأحمر وبحر العرب، مع احتمال توسع شبكات الربط عبر تركيا أو سلطنة عُمان، وفقاً للتطورات السياسية، إلى جانب زيادة الاستثمارات في أمن الطاقة ومصادر الطاقة البديلة.
وعلى المدى الطويل، وبعد عقد أو أكثر، قد تتراجع الأهمية النسبية للمضيق، لكنها لن تختفي بالكامل، خصوصاً أن دولاً مثل الكويت وقطر ستظل تعتمد عليه بصورة كبيرة، ولا سيما في صادرات الغاز الطبيعي المسال التي يصعب إعادة توجيهها عبر مسارات بديلة.
التجارة أكثر تعقيداً
ولا يقتصر دور مضيق هرمز على صادرات النفط، بل يمثل أحد أهم شرايين التجارة الدولية، إذ تعبره سفن تحمل الحاويات المحملة بالسلع الاستهلاكية، والإلكترونيات، والسيارات، والمواد الغذائية، والمواد الخام، والآلات الصناعية.
ورغم وجود موانئ خارج المضيق، مثل ميناء الفجيرة في الإمارات وميناء الدقم في سلطنة عُمان، فإن استخدامها يتطلب نقل البضائع براً داخل دول الخليج عبر شبكات لوجستية متطورة، وهو ما يرفع التكاليف ويحد من كفاءة هذه البدائل.
كما تبرز مشاريع استراتيجية مثل سكة حديد الخليج، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، باعتبارها خيارات واعدة على المدى البعيد، إلا أن معظمها لا يزال في مراحل التطوير، ويرتبط نجاحه باستقرار سياسي واستثمارات ضخمة تمتد لسنوات.
أما الالتفاف البحري حول شبه الجزيرة العربية، فلا يشكل حلاً للدول الواقعة داخل الخليج، لأن سفنها تبقى مضطرة لعبور مضيق هرمز قبل الوصول إلى المياه المفتوحة.
انعكاسات على لبنان
وبالنسبة للبنان، فإن أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبر مضيق هرمز ستكون له انعكاسات اقتصادية مباشرة، حتى وإن لم يكن مستورداً رئيسياً للنفط الخليجي.
فارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، وتأخر وصول البضائع، وزيادة أسعار النقل العالمية، ستنعكس على أسعار السلع المستوردة ومعدلات التضخم، في ظل اعتماد الاقتصاد اللبناني على الواردات لتأمين معظم احتياجاته.
أهمية باقية رغم البدائل
تشير المؤشرات إلى أن مشاريع خطوط الأنابيب والممرات البرية ستمنح الأسواق هامشاً أكبر للمناورة في مواجهة الأزمات، لكنها لن تنهي الدور المحوري الذي يؤديه مضيق هرمز في المستقبل القريب.
فإنشاء بدائل قادرة على استيعاب حركة النفط والبضائع التي تعبر المضيق يتطلب استثمارات هائلة، وبنية تحتية معقدة، وتوافقات سياسية طويلة الأمد. وحتى مع نجاح بعض دول الخليج في تقليص اعتمادها على المضيق لتصدير النفط، ستظل التجارة العالمية مرتبطة به بدرجة كبيرة، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة، وكلفة الشحن، وسلاسل الإمداد العالمية.