هدنة إقليمية هشة... هل يعود لبنان إلى دائرة التصعيد؟

2026.07.16 - 08:31
Facebook Share
طباعة

أعاد التراجع النسبي في حدة المواجهة بين الولايات المتحدة و إيران رسم ملامح المشهد الإقليمي خلال الأشهر الماضية، عبر تفاهمات غير معلنة أسهمت في احتواء التوتر على أكثر من جبهة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية. وضمن هذا المناخ، جاء تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان كجزء من ترتيبات أوسع هدفت إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، إلا أن هشاشة هذا التوازن تجعل أي تغير في العلاقة بين واشنطن وطهران قابلاً للانعكاس سريعاً على الجبهة اللبنانية.

 

ارتباط الساحات

يرى مراقبون أن لبنان لم يعد ملفاً منفصلاً عن التطورات الإقليمية، بل بات جزءاً من معادلة أمنية وسياسية ترتبط بمسار العلاقات الأميركية الإيرانية. لذلك، فإن أي تراجع في مستوى التفاهم بين الطرفين قد ينعكس مباشرة على قواعد الاشتباك جنوب لبنان، التي حافظت خلال الفترة الماضية على قدر من الاستقرار رغم استمرار الخروقات الميدانية.

 

وخلال المرحلة السابقة، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً للحيلولة دون توسع المواجهة، فيما التزمت الأطراف المعنية بضوابط حالت دون تحول الاحتكاكات اليومية إلى حرب مفتوحة، وهو ما أسهم في إبقاء التصعيد ضمن حدود يمكن احتواؤها.

 

قواعد الاشتباك

التقديرات الحالية لا تشير بالضرورة إلى اقتراب اندلاع حرب واسعة، إذ إن اتخاذ قرار بهذا الحجم يبقى مرتبطاً بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتجاوز التطورات الميدانية وحدها. إلا أن تراجع الضمانات التي كانت تضبط الإيقاع قد يفتح الباب أمام ارتفاع تدريجي في مستوى التوتر، مع شعور كل طرف بأن هامش حركته أصبح أوسع مما كان عليه في السابق.

 

وتشير مصادر متابعة إلى أن إسرائيل قد تستفيد من أي تراجع في الاهتمام الأميركي بإدارة التهدئة لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل لبنان، من خلال تكثيف الضربات الجوية أو استهداف مواقع تعتبرها ذات أهمية أمنية، أو محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة في مناطق حساسة على الحدود، من دون الذهاب مباشرة إلى مواجهة شاملة.

 

حسابات متبادلة

في المقابل، يبقى رد الطرف الآخر مرتبطاً بتطورات المشهد الإقليمي. فخلال الفترة الماضية، جاءت الردود العسكرية محسوبة بدقة، انطلاقاً من قناعة بأن مسار التهدئة الإقليمي يجب عدم تقويضه، رغم استمرار العمليات الإسرائيلية.

 

غير أن أي تراجع في قيمة هذا المسار سياسياً قد يدفع إلى إعادة تقييم قواعد الاشتباك القائمة، بما قد يرفع احتمالات الرد على بعض العمليات التي تُعد مؤثرة ميدانياً، مع استمرار تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة ما لم تُفرض ظروف مختلفة.

 

وترى مصادر مطلعة أن أخطر ما في المرحلة المقبلة هو احتمال تبدل قواعد الاشتباك تدريجياً من دون إعلان رسمي، بحيث يبدأ التصعيد بحوادث محدودة قبل أن يتوسع بصورة يصعب احتواؤها لاحقاً.

 

حسابات إسرائيل

في الداخل الإسرائيلي، تبقى الاعتبارات السياسية أحد أبرز العوامل المؤثرة في رسم مسار المرحلة المقبلة. فالحكومة الإسرائيلية تسعى إلى الحفاظ على صورة الردع وعدم الظهور بمظهر المتراجع، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي حرب جديدة على لبنان ستفرض أثماناً أمنية وسياسية واقتصادية مرتفعة.

 

كما أن المشهد السياسي الداخلي، وما يرافقه من تجاذبات واستحقاقات، يجعل خيار التصعيد الشامل محفوفاً بالمخاطر، الأمر الذي قد يدفع نحو استمرار سياسة الضربات المحدودة والضغط العسكري بدلاً من الانخراط في مواجهة واسعة.

 

مسار موازٍ

بالتوازي مع المشهد الأمني، تتواصل جهود إقليمية لإبقاء لبنان خارج دائرة الانفجار، عبر تحركات دبلوماسية تشارك فيها عدة أطراف إقليمية ودولية، وتهدف إلى تثبيت الاستقرار جنوباً، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ومعالجة الملفات العالقة ضمن إطار تفاوضي يراعي التوازنات الداخلية والإقليمية.

 

وتسعى هذه الجهود إلى بلورة ترتيبات تتيح معالجة القضايا الأمنية والسياسية بصورة متدرجة، بما يحد من احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية.

 

مفترق طرق

يقف لبنان اليوم عند نقطة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع التوازنات الداخلية. وبين استمرار المساعي الدبلوماسية لإرساء تفاهمات أكثر استقراراً، واحتمال تآكل قواعد الاشتباك الحالية، يبقى مستقبل الجبهة الجنوبية رهناً بالمسار الذي ستسلكه التطورات الإقليمية، وما إذا كانت الأولوية ستكون للتسوية السياسية أم لعودة التصعيد العسكري. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 4 + 4

Lire aussi