ما الذي يؤخر عودة آلاف النازحين من مخيمات إدلب؟

2026.07.15 - 16:40
Facebook Share
طباعة

تحول انتهاء العمليات العسكرية في أجزاء واسعة من سوريا إلى بداية تحدٍ جديد لعشرات الآلاف من النازحين المقيمين في مخيمات شمال غربي البلاد، إذ لم تعد الرغبة في العودة إلى القرى والبلدات الأصلية كافية لاتخاذ هذه الخطوة، في ظل غياب الخدمات الأساسية، ودمار المنازل، وتراجع فرص العمل.

 

رغم عودة ملايين السوريين إلى مناطقهم منذ أواخر عام 2024، عقب سقوط النظام السابق، ما تزال آلاف الأسر تقيم في مخيمات محافظة إدلب، بينما تعمل الحكومة السورية على تنفيذ مشروع "سوريا بلا مخيمات" لإغلاق هذا الملف تدريجيًا.

 

تكشف شهادات عدد من النازحين أن قرار العودة لم يعد مرتبطًا بانتهاء القتال، بل بتوافر الحد الأدنى من مقومات الحياة، في مقدمتها السكن، والمياه، والكهرباء، والعمل، والتعليم، والخدمات الصحية.

 

تبرز أزمة الخدمات الأساسية كأحد أبرز العوائق، إذ تعاني قرى كثيرة من دمار واسع في شبكات المياه والكهرباء، إضافة إلى خروج الآبار عن الخدمة، ما يجعل تأمين الاحتياجات اليومية تحديًا كبيرًا حتى بعد الوصول إلى المناطق الأصلية.

 

تشير إفادات نازحين إلى أن كثيرًا من المنازل تعرض للدمار الكامل أو الجزئي، بينما تتجاوز تكاليف إعادة الإعمار قدرة معظم الأسر، الأمر الذي يدفعها إلى البقاء في المخيمات رغم صعوبة ظروفها.

 

لا يقتصر الأمر على السكن، إذ يمثل فقدان مصادر الدخل عائقًا آخر أمام العودة، خاصة بالنسبة للعائلات التي تمكنت من إيجاد أعمال مؤقتة في مناطق النزوح، بينما ما تزال الأسواق والأنشطة الاقتصادية في مناطقها الأصلية تعاني من ضعف شديد.

 

يؤكد نازحون لوسائل إعلام محلية أن العودة إلى قرية أو مدينة لا تتوافر فيها فرص عمل تعني فقدان القدرة على إعالة الأسرة، حتى وإن أصبح المنزل صالحًا للسكن، ما يجعل الاستقرار الاقتصادي شرطًا أساسيًا لإنهاء النزوح.

 

تواجه الأسر التي تعتمد على الزراعة تحديات إضافية، بعدما تعرضت مساحات واسعة من الأراضي والبساتين للتلف أو فقدت قدرتها الإنتاجية نتيجة اقتلاع الأشجار وتضرر شبكات الري، ما حرم آلاف العائلات من مصدر رزقها الرئيسي.

 

تعيش النساء المعيلات لأسرهن صعوبات مضاعفة، إذ يرتبط قرار العودة بالنسبة لهن بإمكانية توفير دخل ثابت إلى جانب تأمين السكن والخدمات، خصوصًا بعد فقدان عدد كبير منهن أزواجهن خلال سنوات الحرب.

 

تنسجم هذه الوقائع مع تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي أفادت بعودة أكثر من 1.9 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية حتى نهاية عام 2025، مع استمرار انتظار أعداد كبيرة تحسن الظروف اللازمة للعودة الآمنة والمستقرة.

 

تتراوح تقديرات كلفة إعادة إعمار سوريا بين 250 و400 مليار دولار، بينما ترفع تقديرات أخرى الرقم إلى أكثر من 800 مليار دولار، بالنظر إلى حجم الدمار الذي طال البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.

 

أظهرت بيانات البنك الدولي أن البنية التحتية استحوذت على نحو 48% من إجمالي الأضرار المادية المقدرة بحوالي 108 مليارات دولار، مع تصدر محافظات حلب وريف دمشق وحمص قائمة المناطق الأكثر تضررًا.

 

يواصل الهلال الأحمر العربي السوري تقديم مساعدات للعائلات العائدة، تشمل مواد غذائية وغير غذائية، إلى جانب دعم عمليات الانتقال بالتعاون مع منظمات محلية ودولية.

 

تسعى الحكومة السورية إلى تسريع عودة النازحين عبر مشروع "سوريا بلا مخيمات"، الذي انطلق بموجب المرسوم رقم 59 لعام 2026، والقاضي بتشكيل لجنة لإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق المتضررة.

 

تتولى اللجنة تنفيذ خطتين متوازيتين، تشملان إعادة تأهيل المناطق المدمرة لتسهيل العودة، إلى جانب تحسين أوضاع المقيمين في المخيمات إلى حين انتقالهم.

 

أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح خطة لترميم 60 ألف منزل مبدئيًا، مع إمكانية زيادة العدد وفق الموارد المتاحة، مؤكدًا تخصيص 1.8 مليار دولار لتنفيذ المشروع، في وقت تشير فيه الحكومة إلى أن نحو 60% من سكان المخيمات عادوا بالفعل إلى مناطقهم.

 

أوضحت الحكومة أن اختيار المستفيدين سيتم وفق معايير الاحتياج، مع تحمل تكاليف نقل العائلات الراغبة في العودة، بينما أظهرت الدراسات الأولية أن ما بين 60 و70% من معوقات العودة يمكن تجاوزها عبر تحسين الخدمات وإصلاح البنية التحتية.

 

أكد وزير الأشغال العامة والإسكان أن البلاد تحتاج إلى نحو 1.5 مليون وحدة سكنية لتلبية الاحتياجات الحالية، في مؤشر يعكس حجم الفجوة السكنية بعد سنوات الحرب.

تعوّل دمشق على دعم المانحين لتنفيذ خطط إعادة الإعمار، مشيرة إلى تلقي دعم سعودي بقيمة 1.5 مليار دولار، إلى جانب استمرار المشاورات مع الاتحاد الأوروبي والدول المانحة لتمويل مشاريع التعافي خلال عامي 2026 و2027.

 

ترى منظمات حقوقية وإنسانية أن نجاح العودة لا يقاس بعدد المغادرين للمخيمات، بل بقدرتهم على الاستقرار وعدم التعرض للنزوح مجددًا، في ظل استمرار وجود أكثر من 1126 مخيمًا في شمال سوريا تؤوي نحو 700 ألف نازح، بينما يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات حديثة.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 5 + 8

Lire aussi