تدخل الحرب بين روسيا وأوكرانيا مرحلة جديدة تتسم بتصاعد حرب الاستنزاف، مع تزايد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي، مقابل استمرار موسكو في التمسك بأهدافها العسكرية رغم الضغوط الميدانية والاقتصادية المتزايدة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تغير تدريجي في طبيعة المواجهة، بعدما وسعت أوكرانيا نطاق عملياتها لتشمل منشآت نفطية وقواعد عسكرية وخطوط إمداد داخل الأراضي الروسية، الأمر الذي أدى إلى أضرار في البنية التحتية وأزمات وقود في بعض المناطق.
في المقابل، تواصل القوات الروسية تحقيق تقدم محدود في إقليم دونيتسك، إلا أن وتيرة التقدم تراجعت مقارنة بالمراحل السابقة، في وقت تتحدث فيه تقديرات عسكرية غربية وأوكرانية عن ارتفاع الخسائر البشرية الروسية إلى مستويات تفوق أعداد المجندين الجدد، مع تزايد صعوبة التعامل مع تكتيكات كييف القائمة على الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والهجمات المضادة المحدودة، وفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال.
وعملت أوكرانيا خلال الأشهر الماضية على تطوير قدراتها في مجال المسيّرات، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات للتصدي للهجمات الروسية، كما وسعت مدى عملياتها ليصل إلى أهداف عسكرية ونفطية في مناطق بعيدة، بينها سيبيريا، ما فرض ضغوطًا إضافية على منظومة الدفاع الجوي الروسية.
يرى مراقبون أن اتساع مساحة الأراضي الروسية يجعل من الصعب توفير حماية كاملة لجميع المنشآت الحيوية، الأمر الذي يدفع موسكو إلى إعطاء الأولوية لحماية مواقع محددة على حساب مناطق أخرى.
ورغم هذه التطورات، ما تزال روسيا تمتلك أفضلية بارزة في استخدام الصواريخ الباليستية، بينما تواجه أوكرانيا نقصًا في صواريخ باتريوت اللازمة لاعتراضها. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد وصف هذه الصواريخ بأنها تمثل "الميزة الكبرى الأخيرة" التي تحتفظ بها
روسيا في الحرب.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح أوكرانيا ترخيصًا لتصنيع منظومات الدفاع الجوي باتريوت محليًا، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بعد إشادته بفعالية الصناعات العسكرية الأوكرانية في مجال الطائرات المسيّرة.
إلا أن مسؤولين أوكرانيين أوضحوا أن بدء الإنتاج المحلي لهذه المنظومات يحتاج إلى عدة أشهر، وربما أكثر من عام، بسبب محدودية إنتاج بعض المكونات الأساسية على المستوى العالمي، بحسب وكالة أسوشيتد برس.
بالتزامن مع التطورات العسكرية، أجرت كييف تعديلات في هيكلها الحكومي، قالت إنها تستهدف تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة، وتسريع مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وضمان استمرار تدفق الأسلحة، إضافة إلى دعم المناطق القريبة من خطوط المواجهة.
رغم تزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية، لا تظهر موسكو أي مؤشرات على التخلي عن أهدافها المعلنة، بينما يرى محللون أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة الأمد، ترتفع خلالها كلفة العمليات على الجانبين دون وجود مؤشرات حاسمة على اقتراب نهاية الصراع.
ويعتبر مختصون أن تكثيف الهجمات الأوكرانية يرتبط بعدة أهداف، أبرزها الاستفادة من الدعم العسكري الغربي، ورفع كلفة الحرب على روسيا عبر نقل المعارك إلى عمقها، إلى جانب تحسين موقع كييف في أي مفاوضات مستقبلية.
وفي المقابل، يشير مراقبون إلى أن هذه الهجمات قد لا تكون كافية لتغيير حسابات الكرملين، في ظل إظهار القيادة الروسية استعدادًا لمواصلة الحرب رغم الخسائر، وهو ما يرجح استمرار التصعيد المتبادل خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء فرص التوصل إلى تسوية سياسية محدودة في المدى القريب.