لم تعد أزمة مياه الشرب في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا مجرد مشكلة خدمية، بل تحولت إلى تحدٍ يومي يثقل كاهل السكان، بعد توقف ضخ المياه عبر محطة علوك منذ نحو عامين، ما دفع الأهالي إلى الاعتماد على الصهاريج والآبار البديلة وسط ارتفاع التكاليف ومخاوف صحية متزايدة.
وبات آلاف السكان مضطرين إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، في وقت تحذر فيه الجهات الصحية من ارتفاع الإصابات المرتبطة باستخدام مصادر مياه غير موثوقة.
صهاريج بأسعار مرهقة
أصبح شراء المياه عبر الصهاريج المصدر الرئيسي لمعظم سكان الحسكة، بالتزامن مع استمرار أعمال إعادة تأهيل محطة علوك وخطوط نقل المياه بين رأس العين والحسكة.
ويبلغ سعر خزان المياه بسعة ألف لتر نحو 60 ألف ليرة سورية داخل مدينة الحسكة، ويرتفع إلى 100 ألف ليرة في بعض المناطق القريبة، وقد يصل إلى 150 ألف ليرة في المناطق الأبعد.
وتحتاج الأسر إلى عدة خزانات شهرياً للشرب والطهي والاستخدامات المنزلية، ما جعل المياه عبئاً اقتصادياً إضافياً في محافظة تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
انتظار عودة محطة علوك
تأمل الجهات المحلية أن تؤدي أعمال إعادة تأهيل محطة علوك وخطوط الجر المرتبطة بها إلى إنهاء الاعتماد شبه الكامل على الصهاريج.
وتشمل الأعمال إصلاح أجزاء من الشبكة وإزالة التعديات على خطوط المياه، تمهيداً لإعادة تشغيل المحطة التي شكل توقفها أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة.
لكن السكان يؤكدون أن استمرار تأخر عودة الضخ المنتظم أبقى المدينة أمام حل مؤقت ومكلف، مع استمرار الاعتماد على مصادر لا تخضع دائماً للرقابة الكافية.
معاناة يومية للأسر
انعكست أزمة المياه بشكل مباشر على حياة السكان، حيث اضطرت العديد من الأسر إلى تقليل استهلاكها وتأجيل شراء احتياجات أخرى لتأمين تكاليف المياه.
ويشير أحد السكان إلى أن عائلته المكونة من ستة أفراد تحتاج إلى شراء أربعة إلى ستة خزانات شهرياً، مؤكداً أن المياه أصبحت بنداً ثابتاً يستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة.
وباتت العائلات تعتمد سياسة التقنين في الاستخدامات المنزلية، مثل تقليل مرات الاستحمام وغسل الملابس، في محاولة لتخفيف عدد الصهاريج المطلوبة.
مخاطر صحية متزايدة
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، إذ تتزايد المخاوف الصحية بسبب الاعتماد على مصادر مياه بديلة قد لا تخضع للفحوص الدورية.
ويحذر مختصون من أن سوء تخزين المياه أو نقلها عبر صهاريج غير مجهزة قد يزيد احتمالات التلوث وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، خصوصاً خلال فصل الصيف.
ويقول سكان إن بعض المياه تصل أحياناً بلون أو رائحة غير معتادة، ما يدفع بعض الأسر إلى غليها قبل استخدامها، فيما سجلت عائلات إصابات بالإسهال بين الأطفال وسط مخاوف من ارتباطها بجودة المياه.
16 ألف إصابة مرتبطة بالمياه
تكشف بيانات مديرية الصحة في الحسكة حجم التداعيات الصحية للأزمة، إذ تم تسجيل أكثر من 16 ألف حالة إسهال حاد ومدمى بين الأطفال والبالغين منذ شباط وحتى الآن.
وأوضح رئيس دائرة الأمراض السارية في مديرية الصحة بالحسكة إلياس كروم أن السبب الرئيسي يعود إلى عدم ضمان جودة مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان، مشيراً إلى أن الأطفال يبقون الأكثر عرضة للخطر بسبب احتمالات الجفاف.
وسجلت المحافظة نحو 181 حالة إسهال مدمى بين الأطفال و169 بين البالغين، إضافة إلى قرابة 9 آلاف حالة إسهال حاد بين الأطفال و7 آلاف بين البالغين.
آبار بديلة بلا حلول
مع استمرار الأزمة، لجأ بعض السكان إلى حفر آبار داخل المنازل والأحياء لتقليل الاعتماد على الصهاريج.
لكن كثيراً من هذه الآبار يعاني من ارتفاع الملوحة أو احتمالات التلوث، ما يجعل مياهها غير مناسبة للشرب.
ويقول أحد السكان إن أسرته حفرت بئراً بعد انقطاع المياه، لكنها اضطرت لاحقاً إلى استخدامه للتنظيف فقط بسبب ملوحته، مع استمرار شراء مياه الشرب من الصهاريج رغم تكلفتها المرتفعة.
غياب الرقابة يزيد المخاطر
يرى مختصون أن المشكلة لا ترتبط فقط بمصدر المياه، بل أيضاً بطرق نقلها وتخزينها.
ويؤكد المختص في الصحة العامة خليل العلي أن اختلاف مستوى نظافة الصهاريج وعدم وضوح مصادر التعبئة يجعل ضمان سلامة المياه أمراً صعباً.
وأشار إلى أن الحل يتطلب رقابة مستمرة تشمل فحص مصادر المياه وتعقيم الصهاريج وإجراء تحاليل مخبرية دورية، محذراً من أن غياب الرقابة يزيد خطر انتشار الأمراض، خاصة خلال فصل الصيف.
انتظار نهاية الأزمة
يترقب سكان الحسكة انتهاء أعمال إعادة تأهيل محطة علوك وخطوط نقل المياه، باعتبارها الحل الأكثر استدامة لإنهاء الاعتماد على الصهاريج.
ويرى الأهالي أن عودة المحطة للعمل بشكل منتظم ستخفف الأعباء الاقتصادية وتحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالمياه غير الآمنة.
لكن حتى تحقق ذلك، تبقى المدينة أمام أزمة يومية عنوانها شراء المياه بأسعار مرتفعة وسط مخاوف من جودتها، في مشكلة تجمع بين الأبعاد الخدمية والاقتصادية والصحية وتؤثر على حياة مئات آلاف السكان.