قانون التوراة يعمق أزمة نتنياهو مع الجيش الإسرائيلي

2026.07.15 - 10:56
Facebook Share
طباعة

 تواجه الساحة السياسية في إسرائيل أزمة جديدة على خلفية تشريعات تمنح طلاب المدارس الدينية اليهودية المعروفين باسم الحريديم وضعاً قانونياً خاصاً، في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي قبل الانتخابات المقبلة.

وجاء تمرير هذه القوانين وسط انقسام سياسي حاد داخل الكنيست، حيث تتداخل الحسابات الحزبية مع مطالب الجيش الذي يواجه نقصاً في أعداد المجندين، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات متعددة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي خضم هذا الجدل، اختار نتنياهو الغياب عن بعض جلسات التصويت الحساسة، بينما شهدت قاعة الكنيست انقسامات غير مسبوقة بين أعضاء الائتلاف والمعارضة، ما عكس حجم الخلاف حول مستقبل العلاقة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية.

 

مساران تشريعيان لحماية وضع الحريديم

أقرت الكنيست مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز الوضع القانوني لطلاب المدارس الدينية الأرثوذكسية، وذلك عبر مسارين تشريعيين متوازيين.

المسار الأول تمثل في تعديل قانون أساس عبر إقرار بند "دراسة التوراة" بأغلبية 63 صوتاً مقابل 52، حيث ينص على اعتبار دراسة التوراة "قيمة أساسية للشعب اليهودي ولدولة إسرائيل".

ويمنح هذا التشريع دراسة الدين مكانة دستورية خاصة باعتبارها القيمة الوحيدة التي يتم النص عليها بشكل مباشر ضمن قوانين الأساس الإسرائيلية.

أما المسار الثاني فتمثل في المصادقة بالقراءتين الثانية والثالثة على قانون "تجميد الاعتقالات للمتهربين"، الذي أقر بأغلبية 58 صوتاً مقابل 54.

ويهدف هذا القانون إلى منع اعتقال أو التحقيق مع الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية لفترة محددة، في حال الاعتراف بهم كطلاب مدارس دينية.

 

مؤيدون يرونه حماية للتقاليد ومعارضون يعتبرونه إعفاء

اعتبرت الأحزاب الحريدية وأطراف داخل الائتلاف الحكومي أن هذه التشريعات تمثل خطوة تاريخية لحماية مكانة طلاب التوراة.

وقال عضو الكنيست موشيه غافني إن تجميد إجراءات الاعتقال بحق الحريديم الرافضين للتجنيد يمثل "بوصلة أخلاقية للدولة"، بحسب تعبيره.

كما وصف رئيس حزب شاس أرييه درعي هذه الخطوة بأنها "نصر لعالم التوراة"، معتبراً أنها اعتراف بمكانة طلاب المدارس الدينية.

ويرى مؤيدو القوانين أنها توفر حماية قانونية لهذا القطاع، وتحد من إمكانية إصدار المحكمة العليا قرارات تعتبر استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية غير قانوني أو مخالفاً لمبدأ المساواة.

في المقابل، تعارض منظمات قانونية وأحزاب معارضة هذه الإجراءات، معتبرة أنها تمنح إعفاءً خاصاً من الخدمة العسكرية بطريقة غير مباشرة.

وقالت "الحركة من أجل جودة الحكم" إنها ستواجه هذه التشريعات داخل الكنيست وأمام المحاكم، معتبرة أنها تهدف إلى تقنين التهرب من الخدمة العسكرية.

وحذرت المستشارة القانونية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست من أن منح مجموعة محددة إعفاءً من الخدمة دون رقابة فعالة يخلق إشكالات دستورية.

كما يرى قادة المعارضة أن القوانين تضر بمبدأ تقاسم المسؤولية الوطنية، خصوصاً في ظل إعلان الجيش عن حاجته إلى مزيد من الجنود.

 

أزمة التجنيد ونقص أعداد الجيش

تشير تقديرات إلى وجود نحو 80 ألف رجل من الحريديم تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً مؤهلين للخدمة العسكرية، لكنهم لم ينضموا إلى الجيش.

وأكدت قيادات عسكرية إسرائيلية خلال الأشهر الماضية حاجة الجيش إلى نحو 12 ألف مجند جديد، في ظل استمرار المواجهات العسكرية على أكثر من جبهة.

ويشكل ملف تجنيد الحريديم قضية خلافية قديمة في إسرائيل، إذ تطالب المؤسسة العسكرية بإنهاء الإعفاءات الواسعة، بينما تتمسك الأحزاب الدينية بالحفاظ على الوضع القائم لحماية نمط حياة أتباعها.

صفقة سياسية بين نتنياهو والأحزاب الحريدية

جاء تمرير القوانين ضمن تفاهمات سياسية بين نتنياهو والأحزاب الحريدية، هدفها الأساسي الحفاظ على وحدة الائتلاف الحكومي قبل الانتخابات المقبلة.

ويرى نتنياهو وحلفاؤه أن استمرار تماسك الكتلة الحاكمة يمثل أولوية سياسية، وأن تكلفة تمرير قوانين خاصة بالحريديم أقل من خطر انهيار الائتلاف أو وصول خصومه إلى تشكيل حكومة بديلة.

وفي إطار هذه الصفقة، تخلت الأحزاب الحريدية عن تمرير قانون يتعلق بدعم دور الحضانة في الدورة البرلمانية الحالية، مقابل إقرار قانون دراسة التوراة وقانون تجميد اعتقالات المتهربين من الخدمة.

كما دعمت الأحزاب الحريدية تشريعات أخرى، من بينها قانون يتعلق بتقسيم صلاحيات المدعي العام، إضافة إلى مشروع قانون لإنشاء لجنة تحقيق سياسية بشأن أحداث السابع من أكتوبر 2023.

في المقابل، حصلت الأحزاب الدينية على دعم نتنياهو لتمرير قوانين تخدم مطالبها السياسية والدينية.

 

مواجهة برلمانية استمرت عشر ساعات

لم يمر قانون أساس دراسة التوراة بسهولة، إذ شهدت جلسة التصويت مواجهة طويلة داخل الكنيست استمرت أكثر من عشر ساعات، استخدمت خلالها المعارضة أساليب الخطابات والمماطلة لمحاولة تعطيل إقراره.

كما ظهر انقسام داخل حزب الليكود الحاكم، بعدما صوت عضوا الكنيست يولي إدلشتاين ودان إيلوز ضد التشريع، وأعلنا مغادرة الحزب بسبب موقفهما من القانون.

وبعد إقرار قانون تجميد اعتقالات الحريديم، انتقلت المواجهة إلى المستوى السياسي والقضائي.

وأعلنت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية شارين هاسكل استقالتها من منصبها احتجاجاً على تمرير القانون، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

كما انتقدت المعارضة غياب نتنياهو عن جلسة التصويت، ووصف رئيس حزب "ياشار" غادي آيزنكوت هذا الغياب بأنه تهرب من تحمل المسؤولية.

وأصدرت أحزاب المعارضة بياناً مشتركاً دعت فيه أعضاء الائتلاف إلى رفض القانون، محذرة من تأثيره على الجيش.

ولم يشارك حزب أزرق أبيض بقيادة بيني غانتس في البيان المشترك، بسبب رفضه استبعاد إمكانية التعاون مستقبلاً مع حكومة يقودها نتنياهو، لكنه أصدر بياناً منفرداً انتقد فيه التشريع.

 

معركة قانونية أمام المحكمة العليا

بعد إقرار القانون، أعلنت "الحركة من أجل جودة الحكم" تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بإلغائه.

واعتبرت الحركة أن القانون يمثل "إعفاءً من الخدمة العسكرية من الباب الخلفي"، وأنه جاء نتيجة صفقة سياسية دون نقاش عام كافٍ.

ويستند المعارضون إلى قرار سابق للمحكمة العليا صدر عام 2024، اعتبر أن استمرار إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية يفتقر إلى أساس قانوني واضح، وطالب بوضع إطار يلزم بتجنيدهم.

ومن المتوقع أن يبقى ملف تجنيد الحريديم من أكثر القضايا حساسية في إسرائيل، مع استمرار الصراع بين الاعتبارات السياسية للحكومة ومتطلبات الجيش والجدل المجتمعي حول المساواة في تحمل الأعباء الوطنية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 2 + 9