لم تستغرق السلطات التركية أكثر من نحو عشرين ساعة للسيطرة على محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت في 15 يوليو/تموز 2016، بعد مواجهة تحرك عسكري واسع قادته مجموعة من عناصر الجيش، وسط خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشوارع دعماً للحكومة ورفضاً لمحاولة تغيير السلطة بالقوة.
وتعد تلك الليلة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ السياسة التركية الحديثة، بعدما استخدمت مجموعات عسكرية متمردة الطائرات الحربية والدبابات والأسلحة الثقيلة لمهاجمة مواقع حكومية في العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول، بهدف الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وأسفرت أحداث تلك الليلة عن مقتل نحو 250 شخصاً وإصابة قرابة ألفي شخص، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من استعادة السيطرة على المؤسسات الحيوية وإنهاء التحرك العسكري.
ولا تزال تداعيات محاولة الانقلاب حاضرة في المشهد التركي حتى بعد مرور عقد من الزمن، إذ أعلنت السلطات التركية توقيف نحو ألف شخص للاشتباه بارتباطهم بمنظمة فتح الله غولن التي تتهمها أنقرة بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية.
ووصف وزير العدل التركي أكين غورلك عمليات التوقيف بأنها جزء من "حملة التطهير الكبرى"، بينما قال وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي إن ذكرى ذلك اليوم تمثل "محطة مفصلية" في تاريخ تركيا الحديث.
معلومات استخباراتية سبقت تنفيذ الانقلاب
كشفت المعلومات التي ظهرت بعد وقوع المحاولة الانقلابية أن الاستخبارات التركية تمكنت من رصد تحركات واتصالات مشبوهة قبل بدء التنفيذ، الأمر الذي دفع القائمين على الخطة إلى تقديم موعد تحركهم عدة ساعات.
وبحسب هذه المعلومات، رصدت الاستخبارات التركية مساء الجمعة 15 يوليو/تموز اتصالات تشير إلى وجود تحرك عسكري محتمل، وكان من المفترض أن يبدأ التنفيذ عند الساعة الثالثة فجراً من يوم السبت، إلا أن انكشاف جزء من الخطة دفع المشاركين إلى التحرك في وقت مبكر.
وأظهرت المعطيات أن رئيس جهاز الاستخبارات حينها هاكان فيدان نقل المعلومات إلى رئيس الأركان الثاني يشار غولر، الذي أوصلها بدوره إلى رئيس الأركان العامة خلوصي أكار.
وأجرى خلوصي أكار اتصالات للتحقق من الوضع، لكن مدير الاستخبارات العسكرية الذي كان متهماً بالمشاركة في الخطة الانقلابية، إضافة إلى مساعد رئيس الأركان، أبلغا بأن التحركات العسكرية الجارية طبيعية ولا تشير إلى وجود محاولة انقلاب.
وعاد هاكان فيدان إلى مقر الاستخبارات لمتابعة التطورات، حيث أشارت المعلومات اللاحقة إلى أن المشاركين في المحاولة اضطروا إلى تغيير موعد التنفيذ بعدما شعروا بأن مخططهم أصبح مكشوفاً.
بداية التحرك العسكري في أنقرة وإسطنبول
في حوالي الساعة الثامنة والنصف مساء الجمعة، تحرك 33 عنصراً من القوات الخاصة المسلحة من قاعدة أقنجي الجوية باتجاه مقر رئاسة الأركان العامة في العاصمة أنقرة.
وبعد نحو ساعة ونصف، سُمع إطلاق نار داخل مقر رئاسة الأركان القريب من ميدان كزيلاي، كما شهد محيط الموقع إطلاق نار من مروحيات عسكرية استهدفت قوات حاولت مقاومة التحرك الانقلابي.
وتمكنت مجموعات من الجنود المشاركين في المحاولة من السيطرة على مقر رئاسة الأركان ومبنى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في منطقة أوران، بينما أغلقت مجموعات أخرى جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح في إسطنبول، وهما الطريقان الرئيسيان اللذان يربطان القسمين الآسيوي والأوروبي من المدينة.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف مساء، أعلن رئيس الوزراء التركي آنذاك بن علي يلدرم عبر إحدى القنوات المحلية أن ما يحدث هو محاولة انقلاب نفذتها مجموعة داخل الجيش، مؤكداً أن السلطات لن تسمح بنجاحها.
وبالتزامن مع تصاعد الأحداث، أُعلن عن احتجاز رئيس الأركان خلوصي أكار من قبل مجموعة من العسكريين المشاركين في المحاولة.
وعند منتصف الليل، تحدثت مصادر أمنية بشكل واضح عن محاولة انقلاب يقودها ضباط مرتبطون بمنظمة فتح الله غولن، وبعد نحو ربع ساعة أُجبر موظفو مؤسسة الإذاعة والتلفزيون على قراءة بيان أعلن فيه الانقلابيون سيطرتهم على البلاد.
وانقطع بث المؤسسة لاحقاً، فيما أكدت الرئاسة التركية أن البيان لم يصدر عن رئاسة الأركان العامة.
تحرك أردوغان ودعوة المواطنين إلى مواجهة الانقلاب
خلال الساعات الأولى من المحاولة، كان الرئيس رجب طيب أردوغان موجوداً في مدينة مرمريس بولاية موغلا غرب تركيا، قبل أن يتوجه إلى مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول.
وأجرى أردوغان اتصالاً تلفزيونياً دعا خلاله المواطنين الأتراك إلى النزول إلى الشوارع ورفض محاولة الانقلاب، مؤكداً أن المشاركين فيها سيخضعون للمحاسبة وفق الدستور والقوانين.
وبعد هذه الدعوة، خرج آلاف المواطنين إلى الشوارع في مدن مختلفة، واندلعت مواجهات بين المحتجين والعسكريين المشاركين في التحرك، فيما أطلقت دبابات وعناصر عسكرية النار على بعض التجمعات.
وقبيل الساعة الواحدة صباحاً، هاجمت طائرة مروحية عسكرية مقر مؤسسة البث الفضائي في منطقة غولباشي بالعاصمة أنقرة، كما تعرضت مديرية الأمن العام لهجمات جوية من طائرات ومروحيات عسكرية.
وأعلن وزير الدفاع التركي أن ما يجري يمثل محاولة انقلاب يقودها عدد من الضباط داخل الجيش، في وقت توجه رئيس البرلمان والنواب إلى مقر البرلمان لعقد جلسة طارئة.
بداية تراجع الانقلابيين واستعادة المؤسسات
عند الساعة الثانية فجراً، بدأت قوات الأمن بتنفيذ عمليات توقيف بحق المشاركين في المحاولة، ومن بينهم 13 عسكرياً حاولوا اقتحام المجمع الرئاسي في أنقرة.
وفي الوقت نفسه، تعرض مقر دائرة القوات الخاصة في غولباشي لقصف جوي نفذه الانقلابيون، ما أدى لاحقاً إلى سقوط قتلى بين عناصر الأمن.
وعند الساعة الثالثة فجراً، عاد التلفزيون الحكومي إلى البث الطبيعي بعد استعادة السيطرة عليه، وأعلنت السلطات توقيف العسكريين الذين حاولوا السيطرة على المؤسسة الإعلامية.
وبعد دقائق، أعلن بن علي يلدرم أن أي طائرة عسكرية تحلق فوق مواقع رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والاستخبارات ستتعرض للاستهداف.
وفي الثالثة والثلث تقريباً، وصل أردوغان إلى إسطنبول بعد إجراءات أمنية تضمنت استخدام طائرتين أخريين ضمن خطة تمويه، بينما تجمع رجال الشرطة والمواطنون في المطار لتأمين وصوله.
وفي الساعة الرابعة صباحاً، أصدرت النيابة العامة في أنقرة مذكرات توقيف بحق قادة المحاولة الانقلابية.
وخلال الساعات التالية، قصف الانقلابيون الفندق الذي كان يقيم فيه أردوغان في مرمريس، كما أعلنت السلطات مقتل 42 شخصاً في مقر القوات الخاصة بمنطقة غولباشي، إضافة إلى توقيف عدد كبير من العسكريين المشاركين.
واستمرت المحاولات الأخيرة للمجموعة الانقلابية عبر استهداف مناطق قريبة من المجمع الرئاسي والقيادة العامة للدرك في أنقرة.
انتهاء محاولة الانقلاب وعودة السيطرة للحكومة
ابتداء من الساعة السابعة صباحاً، بدأت السلطات التركية بإحكام السيطرة على الوضع، وأعلنت توقيف أكثر من ألف شخص على خلفية المشاركة في المحاولة.
ونفذت القوات التركية عملية عسكرية في قاعدة أقنجي الجوية تمكنت خلالها من تحرير رئيس الأركان خلوصي أكار.
كما تمكنت القوات الخاصة التابعة للشرطة من السيطرة على مقر القيادة العامة للدرك، فيما خرج نحو 200 جندي من مقر رئاسة الأركان وأعلنوا استسلامهم، قبل أن يلحق بهم نحو 700 عسكري آخرين.
وعند الساعة الثانية عشرة و57 دقيقة ظهر السبت، وصل بن علي يلدرم إلى قصر جانقايا وأعلن للصحفيين انتهاء التمرد، مشيراً إلى مقتل 161 شخصاً وإصابة 1440 آخرين، إضافة إلى توقيف 2839 عسكرياً بينهم ضباط برتب مختلفة.
الجهات المتهمة بالمشاركة في المحاولة
اتهمت السلطات التركية منظمة فتح الله غولن بالوقوف خلف محاولة الانقلاب، وهي المنظمة التي كانت حليفاً سابقاً للرئيس أردوغان قبل تحول العلاقة بين الطرفين إلى صراع سياسي.
وأطلقت الحكومة التركية على التنظيم اسم "منظمة فتح الله الإرهابية"، واختصارها "فيتو"، وتعهدت باتخاذ إجراءات واسعة ضد أفراده ومؤسساته.
وفرضت تركيا حالة الطوارئ لمدة عامين بعد محاولة الانقلاب، ونفذت حملات واسعة شملت الجيش والشرطة والإعلام والقضاء والتعليم والسلك الدبلوماسي.
وخلال فترة قصيرة، أعلنت السلطات توقيف عشرات الآلاف، كما فصلت أعداد كبيرة من الموظفين من وظائفهم، خاصة في قطاع التعليم والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
وفي غضون أسبوعين من المحاولة، تم توقيف نحو 16 ألف شخص، كان معظمهم من العسكريين، إضافة إلى عناصر من الشرطة والقضاء وقطاعات أخرى، كما أقيل أكثر من 50 ألف موظف.
وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أصدرت محكمة تركية أحكاماً بالسجن المؤبد بحق عدد من قادة محاولة الانقلاب، كما أدانت مئات العسكريين والطيارين والمدنيين بالمشاركة في التخطيط والتنفيذ.
وشملت الأحكام طيارين شاركوا بطائرات إف-16، حيث صدرت بحق عدد منهم عقوبات بالسجن مدى الحياة، وهي من أشد العقوبات في النظام القضائي التركي.
كما صدرت أحكام بالسجن على متهمين آخرين بتهم مختلفة، بينما تمت تبرئة عشرات الأشخاص من الاتهامات الموجهة إليهم.
وفي عام 2020، أعلنت السلطات التركية توقيف مئات الآلاف بسبب صلات مزعومة بمنظمة غولن، بينما تم فصل أو إيقاف عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين.
وفي أبريل/نيسان 2021، أصدرت محكمة تركية أحكاماً بالسجن المؤبد بحق 22 من كبار العسكريين السابقين بعد إدانتهم بالمشاركة في المحاولة الانقلابية.
من هو فتح الله غولن؟
فتح الله غولن داعية تركي أسس حركة دينية ذات نفوذ واسع داخل تركيا وخارجها، وبدأ نشاطه من خلال الخطاب الديني قبل أن تتحول جماعته إلى شبكة مؤسسات في مجالات التعليم والإعلام والأعمال.
وكان غولن في السابق قريباً من حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، قبل أن تتحول العلاقة بين الطرفين إلى خلاف سياسي حاد.
وتتهمه السلطات التركية بإدارة تنظيم عمل على التغلغل داخل مؤسسات الدولة، من القضاء والشرطة إلى الجيش والإدارة، بهدف التأثير في أجهزة الدولة.
وتقول الحكومة التركية إن تنظيمه كان وراء محاولة الانقلاب عام 2016، بينما ينفي غولن هذه الاتهامات ويرفض أي مسؤولية عن الأحداث.
وقدمت تركيا طلبات رسمية لتسليمه من الولايات المتحدة، تضمنت اتهامات متعددة، لكن عملية التسليم لم تتم.
وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، توفي فتح الله غولن داخل مستشفى في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، وأبلغت الولايات المتحدة السلطات التركية رسمياً بوفاته.