السويداء بعد عامٍ على المأساة.. العدالة أم الاستقرار أولاً؟

2026.07.14 - 22:23
Facebook Share
طباعة

عام على الأزمة
بعد مرور عام على الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء في سوريا في يوليو/تموز 2025، لا تزال المحافظة تواجه تداعيات إنسانية واجتماعية وسياسية واسعة، في ظل استمرار معاناة آلاف النازحين، وتعثر جهود المصالحة، وغياب تسوية شاملة تعالج آثار الأزمة. وبين المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والدعوات إلى إطلاق مسار سياسي يعيد الاستقرار، تتباين رؤى أبناء المحافظة بشأن أولويات المرحلة المقبلة.


حصيلة ثقيلة
بحسب اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، أسفرت المواجهات عن مقتل نحو 1760 شخصًا من مختلف الأطراف، إضافة إلى تهجير عشرات الآلاف من السكان، بينما خلفت الأزمة أضرارًا واسعة طالت البنية الاجتماعية والاقتصادية، وأعادت رسم العلاقات بين مكونات المحافظة.
ورغم مرور عام على الأحداث، ما تزال آثارها مستمرة مع تراجع الخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع المعيشية، واستمرار الانقسامات المجتمعية، في وقت لم تحقق فيه المبادرات السياسية أو المحلية تقدمًا ملموسًا نحو الاستقرار.


الانقسام يتعمق
وخلال الأشهر الماضية، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل الاتهامات وخطابات التخوين، الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب وأضعف فرص إطلاق حوار مجتمعي قادر على إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز خلاف حول ترتيب الأولويات؛ فبينما يرى البعض أن تحقيق العدالة يجب أن يتصدر المرحلة المقبلة، يعتبر آخرون أن وقف التوتر واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار يمثلان أولوية لا تحتمل التأجيل.


النازحون يضعون شروطهم
ويؤكد مجلس أبناء عشائر السويداء أن آلاف المهجرين ما زالوا يعيشون أوضاعًا إنسانية صعبة، مشيرًا إلى أن الاستجابة الإغاثية تراجعت خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تعاني فيه العائلات النازحة من نقص الخدمات الأساسية وغياب برامج دعم مستدامة.
ويقدّر المجلس عدد المهجرين بنحو 150 ألف شخص، موزعين بين درعا وريفها، ومناطق في بادية حمص وتدمر ودمشق وريفها، موضحًا أن كثيرًا منهم فقدوا منازلهم وممتلكاتهم ومصادر دخلهم، ولم يتمكنوا من استعادتها حتى الآن.
ويرى المجلس أن الحديث عن المصالحة لا يمكن أن يسبق معالجة الملفات الإنسانية، وفي مقدمتها عودة النازحين إلى مناطقهم، وإطلاق سراح المحتجزين، وتعويض المتضررين، وضمان الأمن، باعتبارها خطوات أساسية لاستعادة الثقة.


سيادة القانون أولًا
ويعتبر مجلس أبناء العشائر أن أي تسوية مستدامة تستوجب فرض سيادة القانون على كامل المحافظة، وسحب السلاح من جميع التشكيلات المسلحة، وإحالة المطلوبين في القضايا الجنائية إلى القضاء، بما يشمل جرائم القتل والخطف والاتجار بالمخدرات، باعتبار أن غياب سلطة الدولة كان من أبرز أسباب استمرار حالة الفوضى.
كما يرى أن المبادرات المدنية والسياسية لم تحقق اختراقًا حقيقيًا، في ظل استمرار الانقسام وضعف التواصل بين الأطراف المختلفة، وعدم نجاح المسارات المطروحة في الحد من التوترات الأمنية.


رؤية مدنية مختلفة
في المقابل، تدعو شخصيات وناشطون مدنيون إلى الفصل بين مسار العدالة ومسار إدارة الأزمة، معتبرين أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات لا تتعارض مع الانخراط في جهود سياسية تهدف إلى حماية المدنيين ووقف تدهور الأوضاع.
ويؤكد ناشطون أن الحوار لا يعني التنازل عن حقوق الضحايا أو القبول بالإفلات من العقاب، وإنما يمثل وسيلة لتقليل الخسائر ومنع تكرار المواجهات، في ظل غياب خيارات عسكرية قادرة على إنهاء الأزمة.
ويرون أن الأولويات العاجلة تشمل إعادة الطلاب إلى مدارسهم، وتأمين عودة النازحين، وإطلاق سراح المعتقلين، واستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش النشاط الاقتصادي، وهي ملفات لا يمكن تعليقها إلى حين انتهاء مسارات العدالة التي قد تستغرق سنوات.


أولويات متباينة
وتعكس المواقف المختلفة داخل السويداء اتفاقًا على حجم المأساة التي خلفتها الأحداث، مقابل تباين واضح في ترتيب الأولويات وآليات الخروج من الأزمة.
فالنازحون والمتضررون المباشرون يعتبرون أن العدالة وعودة المهجرين وتعويض الضحايا تمثل الأساس لأي مصالحة مستقبلية، بينما ترى أصوات مدنية أن استمرار الجمود سيقود إلى مزيد من التدهور، وأن الحلول السياسية التدريجية قد تشكل مدخلًا لوقف العنف وإعادة مؤسسات الحياة إلى العمل، بالتوازي مع استمرار المطالبة بالمحاسبة.


تحديات تتجاوز الأمن
وبين الدعوات إلى العدالة والمطالب باستعادة الاستقرار، تواجه السويداء تحديات متشابكة تتجاوز الجانب الأمني، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتراجع قطاعات التعليم والصحة، وبقاء آلاف الأسر في ظروف نزوح أو فقر أو فقدان لمصادر الدخل. وفي ظل استمرار الانقسام المجتمعي، يبقى نجاح أي مسار مستقبلي مرهونًا بقدرته على الجمع بين سيادة القانون، ومعالجة الملفات الإنسانية، وتهيئة بيئة تسمح بإعادة بناء الثقة بين مكونات المحافظة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 8 + 4