تواصل الغارات والقصف الإسرائيلي استهداف مناطق في جنوب لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، ما أدى إلى أضرار واسعة طالت البلدات الحدودية والمنشآت الصحية، في وقت تحاول فيه الطواقم الطبية وفرق الإسعاف الاستمرار في تقديم خدماتها وسط ظروف ميدانية صعبة.
وتواجه المنظومة الصحية في الجنوب تداعيات مباشرة نتيجة تضرر المستشفيات والمراكز الطبية وسيارات الإسعاف، إضافة إلى مقتل وإصابة عدد كبير من العاملين في القطاع الصحي خلال التصعيد الأخير.
أضرار واسعة في المرافق الطبية
تعرضت بلدة كفر تبنيت في قضاء النبطية لغارات إسرائيلية خلال النهار، وهي من المناطق الحدودية التي شهدت عمليات قصف متكررة منذ بدء التصعيد، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي قضاء بنت جبيل، أظهرت بلدة برعشيت حجم الدمار الناتج عن الغارات، حيث تضررت مناطق سكنية واسعة، بينما استمرت القوات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات تفجير وإطلاق نار في بلدة بيت ياحون المجاورة، التي يمنع الجيش اللبناني الوصول إليها بسبب الوضع الأمني القائم.
ولم تسلم المرافق الصحية من آثار القصف، إذ تعرض المستوصف الوحيد في برعشيت لأضرار كبيرة نتيجة الغارات التي طالت محيطه، الأمر الذي أثر في قدرة المنشأة على تقديم الخدمات الطبية للسكان الذين عادوا إلى البلدة.
وتقول تقارير ميدانية إن هذا الوضع ينسحب على عدد كبير من المراكز الصحية التي تعرضت لأضرار خلال الهجمات الإسرائيلية، ما زاد من صعوبة حصول السكان على الرعاية الطبية.
المستشفيات وسيارات الإسعاف تحت الاستهداف
تضررت آليات الإسعاف والدفاع المدني نتيجة القصف، كما خرجت عدة مستشفيات عن الخدمة، فيما سيطرت القوات الإسرائيلية على بعض المرافق الصحية في الجنوب، من بينها مستشفى ميس الجبل.
كما أدى التصعيد إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين العاملين في المجال الطبي، ما زاد الضغط على القطاع الصحي الذي كان يعاني أساسًا من تحديات متعددة قبل اندلاع الحرب.
وفي مستشفى تبنين، الذي يقع على بعد نحو كيلومترين من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية، لا تزال آثار القصف واضحة رغم أعمال الترميم الجارية.
وتعرض محيط المستشفى لـ14 غارة تسببت بأضرار في المبنى والتجهيزات الطبية والأسقف والنوافذ والقرميد، إلا أن إدارة المستشفى أكدت استمرار الطواقم الطبية في العمل خلال فترة الحرب وبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، رغم حجم الأضرار التي لحقت بالمرفق.
خسائر بشرية ومادية كبيرة
قالت مديرة البرامج في مؤسسة عامل الدولية، زينة مهنا، إن القطاع الصحي اللبناني، الذي واجه خلال السنوات الماضية أزمات متتالية، أصبح أكثر هشاشة بسبب الاستهدافات التي طالت المستشفيات والمراكز الصحية والطواقم الطبية، خصوصًا في جنوب البلاد.
وأوضحت أن التصعيد الإسرائيلي الأخير أدى، وفق الأرقام التي عرضتها، إلى مقتل 135 من المسعفين والممرضين والأطباء، وإصابة 406 آخرين.
وأضافت أن 17 مستشفى تعرضت للأضرار، بينما خرجت ثلاثة مستشفيات عن الخدمة، كما تعرض 39 مركز إسعاف للاستهداف وتضرر 175 مركزًا آخر.
وأشارت إلى أن هذه الخسائر جاءت في منطقة كانت تعاني أصلًا من ضعف في مستوى الجهوزية الصحية قبل الحرب.
تحديات ما بعد وقف إطلاق النار
أكدت مهنا أن حجم الدعم المقدم للقطاع الصحي لا يزال أقل من مستوى الأضرار والخسائر التي تعرض لها، موضحة أن عدد المصابين تجاوز 12 ألف شخص، بينما تخطى عدد القتلى 4300 شخص.
وبحسب ما ذكرته، فإن الضحايا توزعوا بنسبة 86% من الرجال و14% من النساء، إضافة إلى 8% من الأطفال، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا من المصابين تعرضوا لبتر أطراف أو إصابات تحتاج إلى عمليات متكررة وبرامج علاج وتأهيل طويلة الأمد.
وأضافت أن ارتفاع نسبة الوفيات مقارنة بعدد الجرحى يعكس، بحسب تقييمها، حجم الصعوبات التي تواجه القطاع الصحي في إنقاذ المصابين، ويشير إلى وصول المنظومة الطبية إلى مرحلة شديدة الخطورة.
وقالت إن جنوب لبنان لا يزال بحاجة إلى مزيد من المستشفيات والمراكز الصحية خلال مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، موضحة أن عددًا من المنشآت خرج من الخدمة، بينما تأثرت منشآت أخرى بعوامل مختلفة.
وشددت على ضرورة الفصل بين الاحتياجات الإنسانية والخلافات السياسية لضمان استمرار حصول السكان على الخدمات الطبية الأساسية.
جهود الإغاثة والتحقيق في طبيعة الإصابات
وأوضحت مهنا أن مؤسسة عامل الدولية نشرت منذ بداية الأزمة 24 عيادة متنقلة داخل مراكز الإيواء بهدف تقديم الرعاية الصحية للمتضررين.
وأضافت أن الفرق الطبية سجلت ارتفاعًا في الإصابات التنفسية والجروح ذات الطبيعة المختلفة مقارنة بالحرب التي شهدها لبنان عام 2006.
كما أشارت إلى ظهور حالات حروق وإصابات تحمل، بحسب قولها، خصائص غير معتادة، لافتة إلى وجود مؤشرات على استخدام مواد محظورة دوليًا، من بينها الفوسفور الأبيض، ودعت إلى التحقيق في طبيعة الأسلحة والمواد المستخدمة خلال الهجمات.
اتفاق وقف إطلاق النار
وتأتي هذه التطورات رغم توقيع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار برعاية أمريكية في 26 حزيران 2026، يهدف إلى إنهاء الصراع بين الطرفين ومعالجة الأسباب التي أدت إلى استمرار التوتر بينهما.
ورغم الاتفاق، تستمر الخروقات والتوترات الميدانية في المناطق الجنوبية، وسط استمرار الأضرار التي طالت البنية التحتية والمنشآت الصحية والسكان.