جلسات أحداث الساحل تواصل مسارها وسط نقاشات قانونية متزايدة

2026.07.11 - 15:30
Facebook Share
طباعة

 تواصل محكمة الجنايات في القصر العدلي بمدينة حلب النظر في قضية المتهمين بالتورط في أحداث الساحل، ضمن سلسلة محاكمات بدأت قبل عدة أشهر، في وقت تتواصل فيه الجلسات دون صدور أحكام نهائية حتى الآن.

وشهدت الجلسة التاسعة، التي عقدت في 9 تموز، استعراض تسجيلات مصورة وأدلة قدمتها النيابة، إلى جانب الاستماع إلى دفوع المتهمين ومحامي الدفاع، ضمن إجراءات المحاكمة المستمرة.

ومع استمرار جلسات التقاضي، يتواصل الجدل القانوني والحقوقي حول ما إذا كانت وتيرة المحاكمة تعكس الحرص على استكمال جميع متطلبات المحاكمة العادلة، أم أنها تثير مخاوف بشأن طول أمد الإجراءات وانعكاس ذلك على ثقة الضحايا والرأي العام بمسار العدالة.

 

تقييم للمسار القضائي

قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن تقييم جدية المحاكمة لا يرتبط بعدد الجلسات التي عقدتها المحكمة، وإنما بطبيعة الإجراءات القضائية التي يتم اتخاذها خلال سير القضية.

وأوضح أن القضية المنظورة حاليًا تضم 14 متهمًا فقط، بينما يشير الرقم المتداول البالغ 563 شخصًا إلى الأسماء التي توصلت إليها لجنة التحقيق الوطنية أو وردت ضمن ملف التحقيق الأوسع، وليس إلى متهمين يحاكمون ضمن قضية واحدة.

وأضاف أن هذه القائمة تشمل 265 شخصًا مرتبطين بمجموعات موالية للنظام السابق، و298 شخصًا يشتبه بتورطهم في انتهاكات ارتكبتها قوات شاركت في العمليات العسكرية، مؤكدًا أن هذه الملفات لا تزال في مراحل مختلفة من التحقيق والإجراءات القضائية.

وأشار إلى أن الحديث عن محاكمة تضم أكثر من 560 متهمًا لا يعكس الواقع القضائي الحالي.

 

أعداد الضحايا واختلاف التقديرات

وبيّن عبد الغني أن حجم الانتهاكات المرتبطة بأحداث الساحل يعكس تعقيد القضية، موضحًا أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت مقتل 1663 شخصًا، بينهم 1217 شخصًا قتلوا على يد القوات المشاركة في العمليات العسكرية، و446 شخصًا قتلوا على يد مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق.

وأضاف أن هذه الإحصاءات تشمل مدنيين وعسكريين وأشخاصًا منزوعي السلاح.

في المقابل، أعلنت لجنة التحقيق الوطنية توثيق مقتل 1426 شخصًا، بينما قدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة عدد الضحايا بنحو 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، مشيرًا إلى أن اختلاف الأرقام يعود إلى تباين منهجيات التوثيق والفترات الزمنية والتصنيفات المعتمدة لدى كل جهة.

 

مؤشرات لتقييم المحاكمة

ويرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن المحاكمة أظهرت حتى الآن مؤشرات أولية على الجدية الإجرائية، إلا أنها لم تثبت بعد وجود خطة متكاملة للمساءلة.

وأوضح أن تقييم المسار القضائي يرتبط بعدة عوامل، أبرزها توسيع نطاق المحاكمات ليشمل بقية الملفات التي تتوفر بشأنها أدلة، وضمان المساواة في ملاحقة المتهمين سواء كانوا مرتبطين بالنظام السابق أو بالقوات الحكومية الحالية.

كما شدد على ضرورة عدم الاكتفاء بمحاسبة المنفذين المباشرين، وإنما التحقيق أيضًا في المسؤولين عن إصدار الأوامر أو التحريض أو الإخفاق في منع الجرائم، إلى جانب اعتماد توصيفات قانونية تتناسب مع طبيعة الجرائم المثبتة بالأدلة، وإصدار أحكام تستند إلى تعليل قانوني واضح وتكون قابلة للطعن.

 

إجراءات الإثبات والتأجيل

وأشار عبد الغني إلى أن عرض الأدلة الرقمية والاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرات الفنية يعد جزءًا طبيعيًا من المحاكمات المعقدة، خاصة عندما تتضمن القضية تسجيلات مصورة متنازعًا على صحتها.

وأكد أنه لا يمكن الاعتماد على أي مقطع مصور قبل التحقق من سلامته وأصالته وسياقه، إضافة إلى التأكد من هوية الأشخاص الظاهرين فيه وآلية حفظ الأدلة.

وأوضح أن المحكمة استجابت لبعض طلبات الدفاع، إذ قررت تكليف لجنة خبرة ثلاثية بفحص عدد من التسجيلات بعد الطعن بها، كما سمحت لمحامي الدفاع بمناقشة نتائج الخبرة واستدعاء شهود إضافيين، ومنحت المحامين الجدد وقتًا للاطلاع على ملفات القضية وإعداد دفوعهم.

وأضاف أن هذه الإجراءات تتوافق مع المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن حق المتهم في إعداد دفاعه والاستعانة بمحام ومناقشة شهود الاتهام واستدعاء شهود الدفاع.

وأكد أن معيار العدالة لا يرتبط بسرعة إصدار الأحكام، وإنما بإجراء المحاكمة دون تأخير غير مبرر مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.

 

ملاحظات على سير المحاكمة

ورغم ذلك، أشار عبد الغني إلى أن بعض جلسات المحاكمة تأجلت نتيجة تعيين محامين جدد أو انتظار اكتمال الخبرات الفنية والردود القانونية.

كما لفت إلى تأجيل إحدى الجلسات التي كانت مقررة في 22 كانون الثاني دون إعلان تفاصيل كافية عن أسباب التأجيل، بينما اقتصرت بعض الجلسات على إجراءات تنظيمية مثل تعيين محام أو منح مهلة قصيرة قبل رفع الجلسة.

واعتبر أن تكرار مثل هذه الحالات قد يعكس وجود ضعف في التحضير المسبق أو نقص في الإمكانات الفنية والإدارية، داعيًا إلى تحسين إدارة القضية من خلال وضع جدول زمني واضح، وتجهيز الخبرات قبل انعقاد الجلسات، مع توضيح أسباب كل تأجيل في قرارات قضائية مختصرة.

 

جوانب إيجابية في المحاكمة

وأوضح عبد الغني أن علنية الجلسات تمثل إحدى النقاط الإيجابية في المسار الحالي، إذ سمحت المحكمة بحضور وسائل الإعلام ومراقبين حقوقيين وأقارب بعض المتهمين، كما جرى بث أجزاء من الإجراءات، وهو ما يعد مختلفًا عن نمط المحاكمات السرية والاستثنائية الذي كان سائدًا سابقًا.

وأضاف أن المحكمة أتاحت لمحامي الدفاع تقديم طلباتهم والطعن في الأدلة الرقمية، واستدعت شهود الدفاع، وأمرت بإجراء خبرات فنية، ومنحت المحامين الوقت اللازم لإعداد مرافعاتهم، فضلًا عن تعيين محامين في حال غياب وكلاء الدفاع.

وأشار كذلك إلى أن ملاحقة متهمين مرتبطين بالقوات الحكومية الحالية إلى جانب متهمين مرتبطين بالنظام السابق تعزز مبدأ المساواة أمام القانون، لأن العدالة تفقد مشروعيتها إذا اقتصرت على طرف واحد.

 

مطالب بتعزيز الضمانات القانونية

وفي المقابل، رأى عبد الغني أن بعض الجوانب لا تزال بحاجة إلى تطوير، وفي مقدمتها التعامل مع مزاعم التعذيب.

وأوضح أن أحد المتهمين أبلغ المحكمة بأن إفادته دُونت داخل فرع الأمن السياسي في اللاذقية تحت التعذيب، وطلب إخضاعه لفحص طبي لإثبات ذلك، دون صدور معلومات معلنة حول كيفية تعامل المحكمة مع هذا الطلب.

وأكد أن مثل هذه الادعاءات تستوجب فتح تحقيق مستقل وإجراء فحص طبي شرعي وفق بروتوكول إسطنبول، مع استبعاد أي أقوال يثبت انتزاعها تحت التعذيب، باعتبار أن هذه المسألة تمس شرعية الأدلة وسلامة إجراءات الاحتجاز.

 

أهمية العلنية وحماية الشهود

وأشار عبد الغني إلى أن علنية المحاكمة لا تقتصر على فتح أبواب المحكمة أمام الحضور، وإنما تشمل توفير معلومات كافية للجمهور والضحايا حول مجريات القضية وأسباب التأجيل والأساس القانوني للتهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية الشهود وأمنهم.

وأضاف أن المعلومات المتاحة لا توضح وجود برنامج خاص لحماية الشهود أو آليات لتقديم الدعم النفسي والقانوني لهم أو لإبلاغ ذوي الضحايا بتطورات المحاكمات، مؤكدًا أن مثل هذه القضايا تتطلب إجراءات حماية فعالة لضمان استمرار تعاون الشهود.

كما شدد على ضرورة احترام قرينة البراءة، داعيًا الجهات الرسمية ووسائل الإعلام إلى استخدام وصف "متهم" بدلًا من "مجرم" أو "مرتكب انتهاكات" قبل صدور أحكام قضائية نهائية، محذرًا من إطلاق توصيفات قطعية في قضايا تتسم بحساسية سياسية وطائفية.

 

جلسات سابقة

وتندرج الجلسة التاسعة ضمن سلسلة جلسات علنية تنظر فيها محكمة الجنايات بحلب في ملفات مرتبطة بأحداث الساحل.

وكانت المحكمة عقدت خلال منتصف آذار الماضي جلسة لمحاكمة سبعة متهمين بعد ثلاث جلسات سبقتها خُصصت لعرض الأدلة والاستماع إلى الشهود.

وخلال جلسة الثامن من آذار، وُجهت إلى المتهمين اتهامات تتعلق بالمشاركة في هجمات استهدفت قوات الأمن والجيش، وإثارة الفتنة والحرب الأهلية، وتشكيل مجموعات مسلحة، وإثارة النعرات الطائفية، كما عرضت المحكمة تسجيلات مصورة قبل إحالتها إلى خبير مختص لفحصها.

وفي 23 نيسان الماضي، استكملت المحكمة عرض الوثائق والأدلة، بينما طلب محامو الدفاع مهلة إضافية لاستكمال مذكراتهم وتقديم معطيات جديدة.

وكانت أولى جلسات المحاكمة العلنية قد عُقدت في 18 تشرين الثاني من العام الماضي، أعقبتها جلسة ثانية في 18 كانون الأول.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 7 + 8

Lire aussi