راينميتال.. كيف أصبحت ألمانيا مصنع سلاح أوروبا؟

2026.07.09 - 21:27
Facebook Share
طباعة

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، ثم تصاعد التوترات الأمنية في أوروبا، رسم أولويات السياسة الدفاعية الألمانية، لتتحول شركة راينميتال من مُصنّع تقليدي للذخائر إلى أحد أبرز محركات إعادة التسلح في القارة، مدعومة بارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري الألماني والأوروبي، وتوسع متسارع في إنتاج الأسلحة والذخائر والأنظمة البحرية والطائرات المسيّرة.

 

في 27 فبراير/شباط 2022، وبعد أيام من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، أعلن المستشار الألماني السابق أولاف شولتس أمام البرلمان الألماني ما وصفه بـ"نقطة التحول التاريخية" (Zeitenwende)، مؤكدًا أن أوروبا دخلت مرحلة أمنية جديدة تتطلب إعادة بناء القدرات العسكرية الألمانية، وكاشفًا عن إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش، إلى جانب زيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، وتشديد العقوبات على روسيا، وتعزيز انتشار قوات حلف شمال الأطلسي في الجناح الشرقي للحلف.

 

ورأت ماريون مسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي في معهد تشاتام هاوس، أن الحرب الأوكرانية دفعت ألمانيا إلى مراجعة عقيدتها العسكرية بعد عقود من سياسة الحد من التسلح التي فرضها إرث الحرب العالمية الثانية، لتبدأ مرحلة إعادة بناء جيشها وتعزيز صناعاتها الدفاعية.

 

في قلب هذا التحول برزت راينميتال، التي تحولت من شركة متخصصة في الذخائر والمركبات المدرعة إلى واحدة من أكبر شركات الصناعات الدفاعية في أوروبا، بعد توسيع نشاطها ليشمل أنظمة الدفاع الجوي، والمدفعية، والطائرات المسيّرة، والسفن الحربية، إلى جانب افتتاح مصانع جديدة والاستحواذ على شركات دفاعية في عدد من الدول الأوروبية.

 

تزامن هذا الصعود مع تزايد المخاوف الأوروبية من تراجع الضمانات الأمنية الأميركية، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي شكك فيها بفاعلية حلف الناتو ولوّح بإعادة النظر في التزامات واشنطن الدفاعية تجاه أوروبا، وهو ما دفع عدة دول أوروبية إلى تسريع خطط تعزيز قدراتها العسكرية وتقليل الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأميركية.

 

وبحسب التقرير، تجاوزت ميزانية الدفاع الألمانية 86 مليار يورو خلال عام 2025، بينها 62 مليار يورو من الموازنة العامة و24 مليار يورو من صندوق تحديث الجيش، بينما قفز سهم راينميتال من نحو 80 يورو قبل الحرب الأوكرانية إلى قرابة 1700 يورو، لترتفع قيمتها السوقية إلى نحو 80 مليار يورو بحلول مارس/آذار 2026، وفق صحيفة إل باييس الإسبانية.

 

تأسست راينميتال عام 1889 في مدينة دوسلدورف لتزويد الإمبراطورية الألمانية بالذخائر، قبل أن تتحول بعد الحرب العالمية الأولى إلى الصناعات المدنية نتيجة قيود معاهدة فرساي، ثم عادت إلى تصنيع الأسلحة مع إعادة تسليح ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، واستأنفت نشاطها العسكري مجددًا عام 1956 بعد انضمام ألمانيا الغربية إلى حلف الناتو.

 

خلال العقود اللاحقة، وسعت الشركة استثماراتها في الصناعات العسكرية، حتى أصبحت من أبرز منتجي ذخائر المدفعية والمركبات المدرعة في أوروبا، قبل أن تدخل مرحلة توسع جديدة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

 

وأعلنت راينميتال تحقيق مبيعات بلغت 1.9 مليار يورو خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة نسبتها 8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما ارتفع الربح التشغيلي بنسبة 17% ليصل إلى 224 مليون يورو، مدفوعًا بارتفاع الطلب الأوروبي على المعدات العسكرية.

 

جاء ذلك بالتزامن مع إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 4 مارس/آذار 2025، خطة "إعادة تسليح أوروبا" بقيمة 800 مليار يورو لتعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي، وهو ما رفع حجم الطلبات المتراكمة لدى راينميتال إلى 73 مليار

يورو، بينها 5.5 مليارات يورو مخصصة للأنظمة البحرية.

 

رغم هذا النمو، واجهت الشركة انتكاسة بعد إلغاء مشروع بناء 6 فرقاطات F-126 للبحرية الألمانية، إثر ارتفاع كلفة المشروع من 10 مليارات يورو إلى أكثر من 18 مليار يورو، لتقرر وزارة الدفاع الألمانية استبداله بصفقة مع شركة TKMS المنافسة.

 

في المقابل، واصلت راينميتال توسعها البحري باستكمال الاستحواذ على أحواض NVL التابعة لمجموعة لورسن مقابل 1.5 مليار يورو، كما تسعى للحصول على عقد بقيمة 462 مليون يورو لتطوير نظام ليزر مخصص للسفن الحربية.

 

اتجهت الشركة أيضًا إلى تعزيز حضورها في قطاع الطائرات المسيّرة، إذ بدأت الإنتاج المتسلسل للطائرة الانقضاضية FV 014، القادرة على التحليق لمدة 70 دقيقة، وقطع مسافة تصل إلى 100 كيلومتر، وحمل رأس حربي يزن 4 كيلوغرامات، وفق تقرير دويتشه فيله.

 

وعززت راينميتال شراكاتها الدولية عبر التعاون مع شركة أندوريل الأميركية، ولوكهيد مارتن لتصنيع أجزاء من مقاتلات F-35 داخل ألمانيا، إلى جانب مشروع مشترك مع مجموعة ليوناردو الإيطالية لتطوير مركبات قتالية ودبابات جديدة.

 

ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، ارتفعت إيرادات شركات الصناعات العسكرية الألمانية الأربع الكبرى بنسبة 36% خلال عام 2024 لتصل إلى 14.9 مليار دولار، بينما احتلت راينميتال المرتبة 20 عالميًا بين أكبر شركات الصناعات العسكرية.

 

وافتتحت الشركة عام 2025 أكبر مصنع للذخائر في أوروبا بولاية ساكسونيا السفلى، بطاقة إنتاجية تصل إلى 350 ألف قذيفة مدفعية سنويًا، مع خطة لرفعها إلى 1.5 مليون قذيفة بحلول عام 2027، بعدما حصلت عام 2024 على تمويل أوروبي بقيمة 130 مليون يورو ضمن برنامج دعم إنتاج الذخائر، البالغة قيمته الإجمالية 500 مليون يورو.

 

امتد التوسع إلى خارج ألمانيا عبر مشروع لإنشاء مصنع لقذائف 155 ملم في لاتفيا، ومشروع مشترك مع شركة ديستينوس لتطوير صواريخ كروز يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، فضلًا عن المشاركة المحتملة في مشروع ألماني لإنشاء منظومة أقمار صناعية عسكرية مستقلة.

 

رغم الخسائر التي تكبدتها بعد إلغاء مشروع الفرقاطات، يرى خبراء أن راينميتال ما تزال تمثل العمود الفقري للصناعات العسكرية الألمانية، وأن خطط التوسع والإنتاج الضخم تجعلها لاعبًا رئيسيًا في مشروع إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية خلال السنوات المقبلة.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 9 + 2