أعاد التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران المخاوف من احتمال دخول المنطقة في مرحلة مواجهة طويلة، بعد تنفيذ واشنطن سلسلة ضربات استهدفت مواقع داخل إيران، رداً على هجمات طالت سفناً مدنية في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وجاءت هذه التطورات لتلقي بظلالها على اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي كان قد دخل حيز التنفيذ في 17 يونيو، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء الهدنة، معتبراً أن التطورات الميدانية أظهرت عدم التزام الطرف الآخر بالتفاهمات القائمة.
ورغم ارتفاع مستوى التوتر، لا تشير المعطيات الحالية إلى عودة فورية إلى حرب شاملة كتلك التي اندلعت في فبراير، إلا أن استمرار الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية طويلة الأمد، في ظل تمسك الطرفين بأهداف استراتيجية متعارضة واعتمادهما أدوات الضغط العسكرية والسياسية.
مضيق هرمز.. نقطة الاشتباك الأكثر حساسية
يبقى مضيق هرمز محور الخلاف الأساسي بين الجانبين، نظراً إلى أهميته في حركة التجارة العالمية ونقل الطاقة. فقد تضمن الاتفاق المؤقت التزاماً إيرانياً بالسعي إلى ضمان مرور السفن التجارية بأمان لمدة 60 يوماً، من دون فرض رسوم أو عراقيل على حركة الملاحة.
لكن الخلاف سرعان ما ظهر حول طبيعة المسارات البحرية المعتمدة. فالولايات المتحدة تدفع باتجاه استخدام ممرات ملاحية قريبة من السواحل العُمانية، باعتبارها خاضعة لترتيبات دولية وتنسيق متعدد الأطراف، في حين تتمسك إيران بمسارات قريبة من مياهها الإقليمية، بما يمنحها قدرة أكبر على المتابعة والمراقبة.
وترى طهران أن السيطرة على حركة الملاحة في المضيق تمثل جزءاً من منظومة الردع التي تعتمدها للحفاظ على نفوذها الإقليمي، ولذلك لجأت إلى استخدام أدوات عسكرية غير تقليدية، بينها الطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية، لإظهار قدرتها على التأثير في حركة السفن، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الرد عبر إجراءات عسكرية مباشرة.
تفوق أميركي مقابل قدرة إيرانية على الصمود
على الرغم من الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الطرفين، لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في الانخراط بحرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط. فواشنطن تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكنها تدرك أن استمرار المواجهة لفترة طويلة قد يفرض كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية مرتفعة.
كما لا تشير المواقف الأميركية إلى رغبة في إرسال قوات برية أو الدخول في مسار يهدف إلى تغيير النظام الإيراني، ما يجعل الخيارات الأميركية تتركز على الضغوط الجوية والبحرية والعقوبات الاقتصادية.
في المقابل، تراهن إيران على قدرتها على الصمود وتحمل الضغوط، إذ يرى قادتها أن الحفاظ على النظام والنفوذ الإقليمي يمثل أولوية أساسية، حتى في ظل استمرار العقوبات والأضرار الاقتصادية.
لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر بالنسبة لطهران، إذ تواجه البلاد تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات والضغوط المتراكمة، ما يجعل استمرار أي مواجهة طويلة عبئاً متزايداً على قدراتها الداخلية.
الحسابات السياسية الداخلية تعقّد فرص التسوية
لا تقتصر الأزمة على ساحات المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى الحسابات السياسية داخل البلدين.
في إيران، أدى التصعيد إلى تعزيز دور المؤسسات العسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، ما يقلص مساحة المناورة أمام أي تيار يدعو إلى تقديم تنازلات في المفاوضات مع واشنطن. وقد يُنظر إلى أي تراجع على أنه استجابة للضغط الأميركي، وهو ما يزيد صعوبة اتخاذ قرارات سياسية مرنة.
أما في الولايات المتحدة، فيواجه ترامب معادلة معقدة بين الرغبة في تجنب حرب واسعة، وبين الضغوط الداخلية التي تطالبه بضمانات واضحة بشأن الملف النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وكانت الإدارة الأميركية تراهن على أن الحوافز الاقتصادية، مثل تخفيف العقوبات أو تقديم دعم لإعادة الإعمار، قد تدفع طهران إلى الالتزام بالتفاهمات، إلا أن هذا الرهان اصطدم بأهمية ملف السيادة والنفوذ البحري بالنسبة لإيران.
بين الحرب والتسوية.. سيناريو المواجهة المحدودة
يرجح مراقبون أن يبقى التصعيد ضمن حدود المواجهة المحدودة، إذ لا تبدو واشنطن مستعدة لخوض حرب مفتوحة، كما لا تبدو إيران راغبة في الدخول في صراع شامل قد يهدد استقرارها الداخلي.
لكن في الوقت نفسه، لا توجد مؤشرات قوية على قرب التوصل إلى اتفاق نهائي، في ظل استمرار الخلافات حول أمن الملاحة والبرنامج النووي وطبيعة الدور الإقليمي لإيران.
وقد يكون السيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار حالة "الصراع غير المحسوم"، عبر ضربات متبادلة وضغوط اقتصادية وتوترات بحرية متقطعة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو الوصول إلى تسوية سياسية دائمة.
ويحذر مراقبون من أن بقاء مضيق هرمز في دائرة التوتر سيبقي أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية عرضة للاضطرابات، ما يجعل تداعيات الأزمة تتجاوز حدود المواجهة الأميركية الإيرانية إلى تأثيرات أوسع على الأمن والاقتصاد العالميين.