يُعد محمد صلاح حامد محروس غالي واحداً من أبرز لاعبي كرة القدم المصريين والعرب في العصر الحديث، بعدما نجح في بناء مسيرة احترافية استثنائية بدأت من الملاعب المصرية، مروراً بالتجارب الأوروبية المختلفة، وصولاً إلى التألق التاريخي مع نادي ليفربول الإنجليزي، حيث أصبح أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية.
بدأ صلاح مشواره مع نادي المقاولون العرب في مصر، قبل الانتقال إلى نادي بازل السويسري عام 2012، ومنه إلى تشيلسي الإنجليزي، ثم خاض تجربتين في الدوري الإيطالي مع فيورنتينا وروما، قبل أن يصل إلى مرحلة النضج الكروي الأكبر بعد انضمامه إلى ليفربول عام 2017.
واشتهر صلاح بسرعته الكبيرة، وقدرته على تجاوز المدافعين، وحسم الفرص أمام المرمى، كما أسهم في تحقيق ليفربول العديد من البطولات المحلية والقارية، وحقق أرقاماً قياسية جعلته ضمن أبرز اللاعبين في تاريخ النادي والدوري الإنجليزي الممتاز.
وعلى المستوى الدولي، لعب دوراً أساسياً في عودة المنتخب المصري إلى نهائيات كأس العالم عام 2018 بعد غياب استمر 28 عاماً، كما أصبح من أبرز هدافي منتخب مصر عبر التاريخ.
النشأة والبدايات في نجريج
وُلد محمد صلاح في 15 يونيو/حزيران 1992 في قرية نجريج التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية في مصر، ونشأ في بيئة بسيطة ارتبط فيها منذ طفولته بكرة القدم، التي أصبحت لاحقاً محور حياته ومسيرته المهنية.
جمع صلاح خلال سنواته الأولى بين الدراسة والتدريب الرياضي، حيث التحق بالتعليم الفني، فدرس في الثانوية الصناعية، ثم واصل تعليمه في معهد "اللاسلكي"، قبل أن يتفرغ بشكل كامل لمسيرته الكروية مع بداية احترافه.
وخلال فترة المراهقة، واجه صلاح ظروفاً صعبة بسبب المسافة الطويلة بين قريته ومقر نادي المقاولون العرب في القاهرة، إذ كان يقطع رحلة يومية شاقة للوصول إلى التدريبات.
وبعد انضمامه إلى المقاولون العرب في سن الرابعة عشرة، كان يسافر إلى القاهرة خمسة أيام أسبوعياً، في رحلة كانت تستغرق نحو أربع ساعات ونصف الساعة ذهاباً ومثلها إياباً، متنقلاً بين عدة وسائل نقل.
وكان يومه يبدأ بالدراسة صباحاً، ثم يتوجه إلى النادي للتدريب، قبل العودة إلى منزله في وقت متأخر من الليل، لكنه واصل العمل على تطوير موهبته رغم هذه الصعوبات.
الانطلاقة مع المقاولون والاحتراف الأوروبي
نجح صلاح في الوصول إلى الفريق الأول لنادي المقاولون العرب وهو في السادسة عشرة من عمره، ولفت الأنظار بفضل سرعته ومهاراته الهجومية، ليحصل بعدها بثلاث سنوات على أول استدعاء للمنتخب المصري الأول وهو في التاسعة عشرة.
وفي عام 2012، بدأ صلاح تجربته الأوروبية الأولى عندما انتقل إلى نادي بازل السويسري، وهي المحطة التي شكلت بداية ظهوره على الساحة الأوروبية.
وخلال فترة وجوده مع بازل، حقق لقب الدوري السويسري مرتين، وقدم مستويات مميزة في بطولة دوري أبطال أوروبا، ما جذب اهتمام عدد من الأندية الأوروبية الكبرى.
تجربة تشيلسي واستعادة التألق في إيطاليا
انتقل صلاح عام 2014 إلى نادي تشيلسي الإنجليزي في أول تجربة له بالدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه لم يحصل على فرصة المشاركة المنتظمة، إذ اقتصرت مشاركاته على دقائق محدودة خلال أكثر من عام.
وفي عام 2015، انتقل على سبيل الإعارة إلى نادي فيورنتينا الإيطالي، حيث استعاد مستواه وسجل تسعة أهداف خلال 26 مباراة، قبل أن ينتقل إلى نادي روما الذي شهد بداية تحوله إلى نجم أوروبي بارز.
وخلال موسمه الأخير مع روما، سجل صلاح 19 هدفاً وصنع 15 هدفاً آخر، وحصل على جائزة أفضل لاعب في الفريق، ليصبح هدفاً للأندية الكبرى في أوروبا.
حقبة ليفربول وصناعة التاريخ
في صيف عام 2017، انتقل محمد صلاح إلى نادي ليفربول الإنجليزي مقابل نحو 42 مليون يورو، لتبدأ المرحلة الأبرز في مسيرته الكروية.
وخلال تسعة مواسم مع الفريق، أصبح صلاح أحد أهم اللاعبين في تاريخ ليفربول الحديث، وساهم في تحقيق تسعة ألقاب، من بينها لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، ودوري أبطال أوروبا، وكأس العالم للأندية، وكأس السوبر الأوروبي.
وخاض صلاح مع ليفربول 435 مباراة، سجل خلالها 255 هدفاً، وصنع 122 هدفاً، كما توج بجائزة الحذاء الذهبي لهداف الدوري الإنجليزي الممتاز أربع مرات، معادلاً الرقم القياسي المسجل باسم اللاعب الفرنسي تيري هنري.
كما أصبح الهداف التاريخي للاعبين الأفارقة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، وحقق رقماً قياسياً في عدد المساهمات التهديفية مع نادٍ واحد في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وفي مارس/آذار 2026، أعلن صلاح رحيله عن ليفربول مع نهاية موسم 2025-2026، منهياً فترة تعد من أنجح التجارب الفردية في تاريخ النادي خلال القرن الحادي والعشرين.
دور بارز مع المنتخب المصري
على الصعيد الدولي، كان صلاح أحد أبرز عناصر المنتخب المصري خلال السنوات الأخيرة، إذ قاده إلى التأهل لكأس العالم 2018 بعد غياب دام 28 عاماً.
وسجل صلاح هدف التأهل الحاسم أمام منتخب الكونغو في الدقيقة الرابعة والتسعين، ليضمن عودة مصر إلى البطولة العالمية.
ويحتل صلاح مكانة متقدمة بين هدافي منتخب مصر التاريخيين برصيد 67 هدفاً، كما يحمل الرقم القياسي كأكثر لاعب أفريقي تسجيلاً في تصفيات كأس العالم برصيد 20 هدفاً.
ويمتاز أسلوبه بالسرعة، والتحرك الذكي، والقدرة على صناعة الفرص وإنهاء الهجمات، وهي عوامل جعلته أحد أكثر اللاعبين تأثيراً في جيله.
الألقاب والجوائز الفردية
حقق محمد صلاح خلال مسيرته عدداً كبيراً من البطولات الجماعية والجوائز الفردية، حيث توج مع ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في موسمي 2019-2020 و2024-2025، ودوري أبطال أوروبا موسم 2018-2019، وكأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبي عام 2019.
كما فاز بكأس الاتحاد الإنجليزي موسم 2021-2022، وكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة مرتين في موسمي 2021-2022 و2023-2024، إضافة إلى درع الاتحاد الإنجليزي عام 2022.
وقبل انتقاله إلى إنجلترا، توج بلقب الدوري السويسري مرتين مع بازل.
وعلى المستوى الفردي، حصل صلاح على جائزة أفضل لاعب أفريقي مرتين عامي 2017 و2018، كما نال جائزة أفضل لاعب أفريقي المقدمة من هيئة الإذاعة البريطانية في العامين نفسيهما.
وفاز بجائزة الحذاء الذهبي لهداف الدوري الإنجليزي الممتاز في مواسم 2017-2018 و2018-2019 و2021-2022 و2024-2025، كما حصل على جائزة أفضل لاعب في العام من رابطة اللاعبين المحترفين الإنجليزية ثلاث مرات.
وفي عام 2018، حصل على جائزة "بوشكاش" المقدمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم لأفضل هدف في العالم، ليصبح أول لاعب أفريقي يحقق هذا الإنجاز.
كما حصد جائزة لاعب الشهر في الدوري الإنجليزي الممتاز سبع مرات، معادلاً الرقم القياسي المسجل باسم سيرخيو أغويرو وهاري كين.
أرقام قياسية رسخت مكانته
لم تقتصر إنجازات صلاح على البطولات، بل امتدت إلى تسجيل أرقام قياسية عديدة، حيث أصبح الهداف التاريخي للاعبين الأفارقة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا.
كما تجاوز واين روني كأكثر لاعب مساهمة في صناعة الأهداف مع نادٍ واحد في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، واحتل المركز الثالث في قائمة الهدافين التاريخيين لنادي ليفربول خلف إيان راش وروجر هانت.
ويحمل صلاح الرقم القياسي لأكبر عدد من المساهمات التهديفية على ملعب أنفيلد، بعدما سجل وصنع 152 هدفاً، متجاوزاً الرقم السابق المسجل باسم تيري هنري.
وفي كأس العالم 2026، واصل صلاح حضوره مع المنتخب المصري، وساهم في تحقيق إنجاز تاريخي ببلوغ دور الـ16 من البطولة بعد تجاوز أستراليا بركلات الترجيح بنتيجة 5-3 في مباراة دور الـ32 التي أقيمت يوم 3 يوليو/تموز 2026.
وبفضل مسيرته الطويلة وإنجازاته المتعددة، أصبح محمد صلاح، المعروف بلقب "الملك المصري"، أحد أبرز رموز كرة القدم المصرية والعربية، وواحداً من اللاعبين الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ اللعبة عالمياً.